
في ولايته الثانية، يبدو أن الحريات الفردية والجماعية، وفي مقدمتها المؤسسات الإعلامية في الولايات المتحدة، تواجه تضييقًا غير مسبوق قد يعيد إلى الأذهان أجواء الحرب العالمية الثانية أو الحملات التي رافقت مواجهة الشيوعية في القرن الماضي. الرئيس الأميركي دونالد ترامب يستخدم صلاحياته إلى أقصى حدودها، مستندًا إلى نفوذه السياسي والقضائي، ومُلوِّحًا بعصا العقوبات المالية عبر المحاكم، وهو يدرك أن التهديد الأكبر لوسائل الإعلام يكمن في مواردها التمويلية. ترامب، الذي لا يغيب عن المشهد الإعلامي لحظة واحدة، يوظف منصات التواصل الاجتماعي بشكل يومي، حتى إن القرارات الرئاسية تُعلن أولًا عبر تغريداته قبل أن تأخذ المسار القانوني التقليدي.
بعد حظره من “تويتر” و”فيسبوك” إثر أحداث اقتحام الكابيتول عام 2021، أسس ترامب منصته الخاصة “تروث سوشيال”، تحت مظلة “ترامب ميديا آند تكنولوجي”. ورغم أنه برّر الأمر بحرية التعبير، إلا أن شروط النشر في منصته تجعل المستخدم مجرد متلقٍ، بلا حق فعلي في النقاش أو الاعتراض. المفارقة أنه استند في ذلك إلى مواد دستورية كان قد عارضها سابقًا خلال رئاسته الأولى، مثل المادة 230 من قانون آداب الاتصالات.
ترامب لا يتردد في شخصنة القضايا وربطها بصورته الذاتية؛ فهو يفاخر بوقفه عدة حروب خلال ولايته السابقة، ويرى أن هذا يؤهله لنيل جائزة نوبل للسلام. بل ذهب أبعد من ذلك باعتبار أن عدم منحه الجائزة يشكّل إهانة للولايات المتحدة نفسها. وقد عبّر عن سعادته العلنية حين رُشّح من قبل نائب نرويجي يميني عام 2021 على خلفية اتفاق التطبيع بين إسرائيل والإمارات. لكن من الواضح أن الاتفاق لم يكن وليد إدارة ترامب بقدر ما كان نتيجة مسار طويل بدأ قبل وصوله إلى البيت الأبيض، مما يجعل ربطه بشخصه وحده مبالغة سياسية أكثر من كونه إنجازًا استثنائيًا.
ومع إعادة ترشيحه للجائزة من دول وشخصيات عدة، بينها كمبوديا وباكستان ورئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، يبقى التساؤل قائمًا حول مدى إمكانية نجاحه هذه المرة، خاصة أن اللجنة المانحة للجائزة تُوازن بين الاعتبارات الأخلاقية والسياسية في قراراتها. فترامب، رغم إصراره على أنه يستحقها أكثر من سلفه باراك أوباما، يبقى محاطًا بانتقادات واسعة نتيجة نهجه التصادمي مع الإعلام، مواقفه العدائية تجاه المؤسسات الأوروبية، ووقفه التمويل عن منظمات دولية عدة.
المفارقة أن الرئيس الذي يعلن أنه أوقف سبعة حروب خارجية، يجد أن الداخل الأميركي نفسه مهدد بالانقسام بسبب سياساته تحت شعار “اجعل أميركا عظيمة مرة أخرى”. هذا القلق يتعدى حدود الولايات المتحدة، إذ يثير توترًا وجوديًا لدى دول الجوار من كندا إلى فنزويلا، في ظل تصريحات مسؤولين أميركيين تربط تغيير الأنظمة في الخارج مباشرة بإرادة ترامب. وهكذا، يصبح السؤال الأعمق: هل يمكن أن تتحول جائزة نوبل إلى وسام يمنح الشرعية لسياسات ترامب العالمية والداخلية، أم ستكون عنوانًا لرفض مساره الصدامي مع خصومه في الداخل والخارج على حد سواء؟




