إقتصادالاحدث

الملاذ الآمن وفخ المضاربة: كيف يصنع الذهب الورقي فقاعة العصر؟

 إعداد : د. محي الدين الشحيمي

ففيما يستمر الذهب في تسجيله المكاسب. ويداوم على تحطيم الأرقام القياسية. يتفوق على ذاته. ويهزم كل القيم والتي وضعت مقابله والى جانبه. تتجلى حراكياته الدائرية العاصفة والمكونة من مجموعة واسعة من العوامل والمسلمات. تتمظهر ولمرات نادرة وضعية الاحتكاك الدائري في نتيجة عدم اليقين بنفس اتجاه الصعود. وما يجعل تدخل كل المؤثرات المتناقضة والمتناغمة لصالح ارتفاع قيمته التسليعية. يزيد من سعر والطلب عليه لأمر غير معلوم، ولكنه مفهوم. بسبب ارتفاع المديونية العالمية السيادية والاتفاق الضمني بين الدول بسد فجوة الدين عبر فروقات ومكاسب سعر المعدن الأصفر. تحذر هذه المصداقية من فقاعة الذهب الخالصة، بسبب ظهور المنافسة بين الذهب الوهمي والحقيقي. تشكلت عبرها الفجوة السعرية والكمية والتي تنذر بانفجار مرتقب نتيجة تكون المسافة البرزخية بين الذهب المادي والالكتروني.

 

هنالك فوضى كبيرة في سوق الذهب. سببتها الرسوم الضرائبية والجمركية، وعشوائيات التداول المقصودة. جعلت منصات التداول والمضاربة من الذهب سلعة مادية خاضعة للرسوم الجمركية والضرائبية الاضافية. ما أدخل المصافي التي تثقلال ذهب والمصنعة للسبائك والليرات والأونصات، اضافة الى والوسطاء المسؤولين عن تدفق وانتشار وتوزيع الذهب حسب السعر الفوري والسوقي، وتصديرها الى بورصات السلع الآجلة بعبء اضافي. تزيد الرسوم ومن تكلفة الخدمة على الذهب، مع اتساع الفرق السعري بين سوقي الذهب الآجلة منه والفورية وحتى المكانية المختلفة. وليست كل المواقع الاستثمارية للذهب موثوقة. يفتقد بعضها الى تطبيق الشروط الجوهرية والأساسية في بيع الذهب، ناحية الزامية النقد والتقابض الحقيقي القانوني باليد وعلى غرار التقابض الحكمي في مجلس العقد، مع عدمية وجوازية عقود بيع الذهب التي يتأجل عبرها البدلان، وذلك ما اصطلح على تعريفه بالبيوع الآجلة والمستقبلية.

 

يقابل في الواقع كل سبيكة واحدة أصلية أربعة سبائك تداولية وهمية. انها تبسيط لمفهوم أعم وأكثر تعقيدا في سوق الذهب. حيث لا توجد نسبة واضحة وحقيقية بين الذهبين المادي والوهمي. في حين يمثل الذهب الورقي المتداول كمية أكبر وحجم أشمل مع الوعود في التأمين للكمية في الأسواق العالمية. تختلف باستمرار بحسب حجم التداول في العقود الآجلة وغيرها من المشتقات المالية. هذا وتبيع البنوك والصناديق حاليا حوالي 250 ضعف مقابل البيع الحقيقي للذهب. ويتم بيع كيلو ذهب فعلي في اليوم، يقابله بيع 250 كيلو من الذهب الوهمي أو الالكتروني عبر منصاب البورصة والمضاربات والخطورة في كونه غير مغطى. يسمى بالبيع على المكشوف، هو ما يعني من أنه وبمجرد استحواذ المنصات والصناديق على كيلو من ذهب. تقوم من بعدها ببيع 250 كيلو من الذهب الالكتروني بمقابله من الأسهم المتناسبة مع وحدته السعرية. ولا يمكنك في عالم الأسهم بيع أسهم لا تملكها، ولكن يعد الذهب الاستثناء من ذلك. ولا يتطلب أمر التداول المجرد بالذهب الوهمي الزامية الحصول على كمية الذهب الحقيقية. لأن الهدف الأساسي ليس الذهب بالذات، وانما المضاربة والتداول وتحقيق الربحية. وهو ما يتيح الوقوف عبر المنصة أمام نوعين من الذهب، الذهب المخصص والمعدن الأصفر غير المخصص. فما تستطيع الحصول عليه هو فقط المضاربة وتحقيق الربحية. وهي مخاطرة، سيما ان أتى الجميع وفي نفس الوقت وطلبوا الحصول الذهب تقع الواقعة. وتنفجر فقاعة الاختلال بالطلب مقابل العرض. وتتزعزع الثقة السوقية بسلعية الذهب وليس بالذهب كملاذ آمن. ويعزو السبب في ذلك لعدم توافر الذهب على المنصات بشكل معادل لقيمته الالكترونية والأسهمية. يسبب ذلك في تشكل معادلة الطلب من دون عرض، وهو من شأنه قلب الطاولة موجبة بتكتيكية بيع معاكسة بين النادي الحقيقي لسوق الذهب والبنوك المركزية والمصانع والوسطاء والمستهلك وسوق الذهب، بعجلة الشيك مقابل العمولة دون وجود الذهب الحقيقي.

 

انتشرت طوابير بلا نهاية لشراء الذهب. اجتاحت العالم مع استمرارية المعايير التوقعية بنفس وحدات المعايير. تستمر البنوك المركزية بشراء الذهب بكميات ضخمة من الذهب للعام المتتالي الرابع على التوالي. تريد تقليص حيازتها من الدولار والعملات الورقية الصعبة، وكذلك تقوم صناديق الاستثمارية بنفس الأمر وبكميات لم تحصل في التاريخ بالنسبة لعدد الأونصات. يضاف اليهم مشتريات المؤسسات والأفراد للتحوط من الحروب التجارية والأزمات الجيوسياسية والتوترات السياسية. يعقبه انهيار في سوق الأسهم، سيما بعد وصوله الى أسعار قياسية عالميا مع تغييرات جذرية في ميزان القوى العالمية.

 

يستمر الذهب في موقعه على انه باعث للثقة. يحافظ على مكانته الموروثة بعوامل العقدية والنفسية والمادية، باعتباره الملاذ الآمن الوحيد. وتزيد ملاذيته كلما اهتزت مختلف القيم الأصولية الكونية. وترتفع معها قيمته ونسب الاستحواذ عليه. لكن ينبغي للمرء التنبه في كيفية التعامل مع هذه الظواهر في سياقات تبقيه في مرحلة الآمان والمنفعة، وأن لا يكون من أصحاب السيقان الراكضة بدون بلوغ الأهداف ومن غير سياقات مفهومة نظاميا.

 

تستحوذ هذه الحركة على فقاعة خاصة، نتيجة ظهور عدة أنواع من الذهب المتداول به. حيث يوجد الذهب الحقيقي المخزن. وينتشر كذلك الذهب الالكتروني الرقمي. انه الذهب الوهمي والذي يدخل الموضوع في تشعبات مختلفة ومتباينة. تتمحور الايديولوجية فيه بين الذهبين، حول المخاطر مقابل السيولة والائتمان. تؤسس حتما الى الفجوة بين امتلاك ذهب مادي ملموس والامتلاك المالي لمنتج يمثل قيمة الذهب في الأسواق المالية. تجعل البيئة مفتوحة على فقاعة ذهب غير متوقعة.

 

تبدأ الاشكالية بوجود نوعين من الذهب، الحقيقي والورقي. فالأول وهو كل معدن أصفر يتم شراؤه وتخزينه ووضعه بين اليدين. يمثل السعر الأصلي للذهب. ويسمح للمستثمرين عبره في الاحتفاظ القواعد المادية. بالاستحواذ على السبائك والليرات والأونصات والعملات الأمر الذي يجعل من سيطرة المستثمرين أقوى. فيما يطلق على الثاني مصطلح الأوراق المستندية الدالة على الأوراق المالية والتي تحمل ملكية كمية من الذهب، من دون الحاجة الى امتلاكه بشكل فعلي. يتتبع من خلاله السعر المادي والسوقي الفوري للذهب. وهي الجهات الأدواتية مثل صناديق المؤشرات المتداولة. من العقود الآجلة وتعددية خياراتها، والتي تستخدم للمضاربة على أسعار الذهب مثل صناديق الاستثمار المشتركة والمتداولة، اضافة الى شهادات الذهب الاسمية الصادرة من قبل البنوك في مقابل الذهب المحتفظة به والخاضع لمقدمي الطرق الثالث. حيث تختلف النسبة بسبب العديد من العوامل. تبدأ مع الرافعة المالية المستخدمة بكثافة في مضمار منصات التدوالية للذهب الوهمي. تنتج في المحصلة كمية كبيرة من الذهب المتعامل بها على الشاشات والأوراق والممكن شراؤها وبيعها والتعامل بها، من خلال استخدام مبلغ نسبي من رأس المال القليل وغير المغطى. يؤدي الى تضخيم حجم التداول الى حد الانتفاخ مقارنة بالذهب الفعلي الموجود. توصل في النهاية الى تكون الفجوة الخطيرة بين الذهب المملوك في الفضاء التداولي وبين الذهب المادي الموجود والممكن الحصول عليه.

 

تشكل المضاربة ملعب الذهب الالكتروني والورقي الأساسي. بمبدأ تبادلية المستثمرين العقود من غير حاجة حقيقية لوجود الذهب، ودون نية مؤكدة فعليا لاستلام الذهب المادي. وهو ما يؤدي الى الانفلاش في مقدارية حجم المبادلات دون الضوابط الرزينة. تقترن أكثر بالصفات الوهمية. وتعمد على التأثير في الأسعار وزيادة الكميات المتداولة واحتماليات تحقيق المزيد من الأرباح، مع تقدم حالات المخاطرة والانكسار السريع في الربح، وبالتالي الافتقاد الى كمية الموجودات المفترض حيازتها. حيث يثير حجم التداول الكبير وعصفه الهائل في التداول المستندي الوهمي، الى مخاوف كبيرة من امكانية التلاعب بأسعار الذهب. تتخلله سيناريوهات تصحيح غير صحيحة وخادعة، الأمر الذي يؤدي الى تضخيم وكسح في الأسعار بشكل متحرر من سوق العرض والطلب الفعلي للذهب المادي.

 

تختلف هذه النسب بحسب العبارات التي تشير الى حقيقة وأهمية سوق الذهب. ذلك أن حجم الذهب الورقي والوهمي، يفوقان بكثير كمية الذهب المادي المتاح للتسليم. وهذا ما يجعل أسعار الذهب عرضة للتقلبات المتأثرة بأسواق الأسهم والأوراق المالية والنقدية. ويقدم الذهب المادي محموعة من القيم الملموسة. يعتد به على أنه الأكثر أمانا. فيما يعتبر الذهب الورقي الوهمي أكثر سهولة في الوصول اليه، وهو الأمر نفسه بخصوص سلاسة ادارته دون التعرض الى خطر السرقة وعوامل الأمان ومخاطر الخدمة والخزن. حيث يثار الى تمايز ضريبي مختلف بين الصنفين. اذ يتطلب الاستثمار في الذهب الحقيقي معرفة مرقومة بالأسواق وطرائق تقلباته. فيما يمكن دمج الذهب الورقي مع المنتوجات المالية والسلعية التداولية. وهي لم تعد ذهبا مستقلا مع مرونة فائقة كصناديق الاستثمار مع الارتفاع في معدلات المخاطرة.
يدخل ذلك المستثمر سواء كان الشاري والبائع بفجوة سعرية بين الذهبين المادي الحقيقي والالكتروني الوهمي، المتداول به على المنصات وبورصات التداول. ذلك ان مع ارتفاع سعر الذهب الحقيقي وزيادة جعالته وتأميناته بواقع يفوق أكثر من السعر الالكتروني، ومع الزيادة المضطردة والقياسية بسعر الذهب الوهمي تحضيرات استثنائية لظروف طارئة سمتها البنى التحتية المتذبذبة تنظيميا.

 

فمن قواعد المضاربة والتجارة والتداول واقعية الربح والخسارة التي لا مفر منها. وهذا ما يضفي الكثير من المسؤولية على أي نشاط. فاذا ما ازدادت موجة الشراء، وارتفعت حدة المطالبة بكميات كبيرة من الذهب بدفعة واحدة. تحدث العاصفة، وتنفجر الفقاعة كاشفة قصور الذهب الالكتروني الوهمي في تغطيته الواقع، وفي عدمية تحوله الى حصة حقيقية ملموسة. وحتى ان سحب المستثمر أرباحه من سوق التداول على شكل مال. وقرر شراء الذهب الحقيقي، فلم يجده لأنه مختف من السوق نتيجة الاختلال في التوازن الكمي بين حجم التداول والموجودات. فيضطر الى شرائه عندها من السوق السوداء بأسعار تفوق السعر المرقوم على المنصة مع رسوم تأمينية ووساطة أغلى، في محصلة عدم التوازن بين الذهبين في الحقيقة والواقع الاستثماري ضمن فضاءات المضاربة. سيكون في النتيجة خاسرا من تداوله في النهاية، وكأنه لم يحقق أي ربح ولم يفعل شئ. وقد يخلق الامتناع عن تجسيد عمليات البيع انخفاض في السعر في مناح تقويمية غير صوابية. نتجت لا شك من علة بيع الذهب الالكتروني، والاحتفاظ بكتلة نقدية ومن ثم الدخول في عملية شراء الذهب الحقيقي.

 

ان للذهب تاريخ عريق في كونه الملاذ الآمن، ومرساة الاستقرار الدائمة. وحتى لو انحرف مؤخرا في نتيجة للعوامل التشريح بين الوهمية والمادية. حيث يبتعد المعدن النفيس عن مساره السعري التاريخي، كلما ازدادت التقلبات. نؤكد أن الذهب ليس عرضة الى فقاعة الملاذ الآمن نظرا الى الندرية وثقة التشكيل الكوني به. بل الى فقاعة سعرية بسبب الشراسة في الأسعار. ويعد هذا من خلال نهج كلي تحليلي في الاستراتيجية والاقتصاد. يقترن بالأدلة التجريبية. تثبت أن هنالك وجود سيولة فضائية فائضة للتداول في الاقتصاد العالمي ككل. وتم استثمارها بشكل متزايد في هذا المعدن النفيس. لكن هنالك عدم تناسب في الاستحواذ المادي لنفس الكمية مع استمرارية أسباب ارتفاعه وانخفاضه المفاجئ بمجرد استدامة المضاربة. ويوصف الارتفاع الأخير في سعر الذهب بكونه من طبيعة تضخمية صرفة.

 

ورغم أن دوره التاريخي كملاذ آمن ليس موضوع مناقشة، إلا أن الذهب قد يفقد مؤقتا سمة استقراره في حالة انخفاض سعره بشكل كبير. ويعتمد تحديد موعد حدوث ذلك، وإن حدث على قرارات المضاربة وتقلباتها. ومن المحتمل حدوث انخفاض حدي في السعر، وهو ما يسمى انفجار الفقاعة أو حتى استقرار عند مستويات سعرية مرتفعة، بسبب مكانة الذهب التاريخية والمعاملة الخاصة في المقارنة مع السلع المختلفة، وظهور الفجوة بين الذهبين المادي والوهمي.

مركز السياسات والاستشراف المعرفي (مسام)

مركز السياسات والاستشراف المعرفي (مسام) هو وحدة بحثية تابعة لموقع "الملف الاستراتيجي"، تُعنى برصد وتحليل السياسات العامة، وتحولات الشركات الكبرى، والديناميات الجيوسياسية التي تسهم في إعادة تشكيل العلاقات الدولية والبُنى المؤسسية والاجتماعية على المستويات المحلية والإقليمية والعالمية. ينطلق المركز من منظور استشرافي علمي يهدف إلى تجاوز التحليلات الظرفية، من خلال تتبّع الأنماط الكبرى في السياسات والتحولات المعرفية، وفهم التفاعلات المعقدة بين الدول، والشركات العابرة للحدود، والمجتمع المدني، والمنصات الرقمية. يركز المركز بشكل خاص على دراسة السياسات الوطنية في دول الشرق الأوسط، وتحليل استراتيجياتها في مجالات الحوكمة، وإعادة التموضع الإقليمي، والتفاعل مع التغيرات الاقتصادية والتكنولوجية العالمية. كما يعالج المركز القضايا المتصلة بمستقبل السيادة الرقمية والمعرفة، ودور الفاعلين غير التقليديين في التأثير على صنع القرار وتشكيل الفضاء العام. يعتمد المركز في إنتاجه المعرفي على مقاربة تحليلية حيادية تلتزم بالصرامة المنهجية والموضوعية، بعيدًا عن التحيزات السياسية أو الإيديولوجية، ويسعى إلى تقديم فهم مركب ومسؤول للتحولات الراهنة، بما يخدم الباحثين وصنّاع السياسات والمشتغلين في حقل التفكير الاستراتيجي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى