إقتصادالاحدث

الذهب بين الشَّرقِ والغربِ: قراءةٌ في علاقةِ النِّساءِ العربيات بالمعدن الأصفر | بقلم فاروق غانم خداج

منذُ أقدمِ الأزمنةِ، كان الذَّهبُ في الوعيِ العربيِّ أكثرَ من زينةٍ تُلبَسُ على الجسدِ؛ كان رمزًا للكرامةِ والهويةِ، ومصدرًا للأمانِ المادِّيِّ، وجزءًا من الذاكرةِ الاجتماعيَّةِ التي تتوارثُها الأجيالُ. وما تزالُ كثيرٌ من النساءِ العربياتِ إلى اليومِ يُظهرنَ شغفًا لافتًا باقتناءِ الذَّهَبِ، بينما تبدو نظيراتُهُنَّ في كثيرٍ من المجتمعاتِ الغربيَّةِ أقلَّ تَعَلُّقًا به.

فما سرُّ هذا الارتباطِ المتجذِّرِ؟ وما أبعادُهُ التاريخيَّةُ والاقتصاديَّةُ والاجتماعيَّةُ والنفسيَّةُ؟

 

الذَّهَبُ في الذاكرةِ الجماعيَّةِ: هويةٌ ووقايةٌ

ليسَ الذَّهَبُ عندَ المرأةِ العربيَّةِ مجرَّدَ مظهرٍ للجمالِ أو وسيلةً للزينةِ، بل هو امتدادٌ لوعيٍ جمعيٍّ قديمٍ تشكَّلَ في بيئةٍ كانت تفتقرُ إلى الضماناتِ الاقتصاديَّةِ والمؤسَّساتِ الماليَّةِ الموثوقةِ.

في الريفِ والباديةِ، حيثُ كان الاقتصادُ بسيطًا والنقودُ نادرةً، أدركتِ المرأةُ أنَّ اقتناءَ الذَّهَبِ هو شكلٌ من أشكالِ الادِّخارِ المأمونِ. فالحُليُّ التي تُزيِّنُ بها جسدَها هي في الوقتِ نفسِه “بنكٌ صغيرٌ” يُمكنُ تحويلُه إلى نقودٍ عندَ الحاجةِ أو الأزماتِ.

وهكذا تحوَّلَ الذَّهَبُ إلى ما يشبهُ «الوديعةَ الشخصيَّةَ»، يربطُها بتاريخِ الأسرةِ ويمنحُها إحساسًا بالأمنِ في عالمٍ مضطربٍ ومتقلِّبٍ.

 

المَهرُ والزواجُ: الذَّهَبُ ضمانةٌ اجتماعيَّةٌ

من أبرزِ وجوهِ حضورِ الذَّهَبِ في الثقافةِ العربيَّةِ دورُهُ في طقوسِ الزواجِ. فالمَهرُ، أو الصَّداقُ، يُقدَّمُ غالبًا في شكلِ حُليٍّ ذهبيَّةٍ تُعبِّرُ عن مكانةِ العروسِ، وتُعدُّ في الوقتِ نفسِه نوعًا من الضمانِ الاقتصاديِّ لها.
وليسَ هذا الأمرُ تفصيلًا شكليًّا؛ إذْ تُدركُ المرأةُ أنَّ ما يُقدَّمُ لها من ذهبٍ هو رأسُ مالٍ رمزيٌّ ومادِّيٌّ، يمنحُها شعورًا بالاستقلالِ داخلَ المنظومةِ الأسريَّةِ. ومن هنا ارتبطَ الذَّهَبُ في المخيِّلةِ الشعبيَّةِ بالشرفِ والعزِّ والمكانةِ، وغدا معيارًا لكرمِ العائلةِ ومظهرًا من مظاهرِ الفخرِ الاجتماعيِّ.

 

البُعدُ الاقتصاديُّ: بينَ الثقةِ بالنقدِ واللجوءِ إلى المعدنِ

في العالمِ العربيِّ الحديثِ، لا يزالُ الذَّهَبُ يحتفظُ بوظيفتِه الاقتصاديَّةِ العميقةِ، بخلافِ كثيرٍ من الدولِ الغربيَّةِ. فحيثُ تضعُ النساءُ الأوروبيَّاتُ أو الأميركيَّاتُ مدَّخراتِهِنَّ في المصارفِ أو الأسهمِ، تفضِّلُ المرأةُ العربيَّةُ أن ترى ثروتَها أمامَ عينيها، تُلامسُها وتحتفظُ بها في بيتِها.

ذلك أنَّ عدمَ الاستقرارِ السياسيِّ والماليِّ في عددٍ من البلدانِ العربيَّةِ رسَّخَ قناعةً بأنَّ الذَّهَبَ هو الملاذُ الأخيرُ الذي لا يخونُ. لذا يُقالُ في الأمثالِ الشعبيَّةِ: «الذَّهَبُ لا يَصدَأُ ولا يَغيبُ».

ومن اللافتِ أنَّ دراساتٍ ميدانيَّةً أُجريت على مهاجراتٍ عربياتٍ في الغربِ أظهرت أنَّ كثيراتٍ منهنَّ واصلنَ عادةَ شراءِ الذهبِ كوسيلةٍ للادِّخارِ الآمنِ، حتى في بيئاتٍ مصرفيَّةٍ متطوِّرةٍ.

 

الرَّمزُ الاجتماعيُّ والجماليُّ

لا يقتصرُ سحرُ الذَّهَبِ على قيمتِه المادِّيَّةِ، بل يتجاوزُه إلى رمزيَّةٍ جماليَّةٍ واجتماعيَّةٍ.

في الأعراسِ والاحتفالاتِ والمناسباتِ الكبرى، ترتدي النساءُ العربياتُ ما يُعرفُ بـ«طقمِ العمرِ»، وهو مجموعةٌ من الحُليِّ الثقيلةِ التي تُعبِّرُ عن مكانةِ العائلةِ وقدرتِها الماليَّةِ.

إنَّ إظهارَ الذَّهَبِ في هذه المناسباتِ ليسَ ترفًا، بل «لغةٌ غيرُ منطوقةٍ» تُفهَمُ داخلَ البنيةِ الاجتماعيَّةِ العربيةِ، حيثُ يُقاسُ الكرمُ والجمالُ والجاهُ بمقدارِ ما يلمعُ في العنقِ والمعصمِ من ذهبٍ.

 

الغربُ ومفاهيمُ الثراءِ المختلفةُ

في المقابلِ، تختلفُ نظرةُ المرأةِ الغربيَّةِ إلى الذَّهَبِ اختلافًا ملحوظًا. فالثقةُ بالأنظمةِ المصرفيَّةِ والمؤسَّساتِ الماليَّةِ تُغنيها عن تحويلِ المدَّخراتِ إلى حُليٍّ. كما أنَّ فكرةَ «المَهرِ» ليست راسخةً في ثقافةِ الزواجِ الحديثةِ، إذْ تميلُ العلاقاتُ هناك إلى المساواةِ المادِّيَّةِ بينَ الطرفينِ.

إضافةً إلى ذلك، تغيَّرت معاييرُ الجمالِ والذوقِ في الغربِ: فالمجوهراتُ تُصمَّمُ اليومَ من معادنَ متنوِّعةٍ، وأحيانًا من موادَّ بسيطةٍ ترمزُ إلى البساطةِ لا البهرجةِ.
ومع تطوُّرِ أسواقِ المالِ، باتَ الذهبُ هناك سلعةً استثماريَّةً محضةً، لا عنصرًا عاطفيًّا أو تراثيًّا كما في المجتمعاتِ العربيَّةِ.

 

التحوُّلُ الجيليُّ في العالمِ العربيِّ

غيرَ أنَّ صورةَ الذهبِ ليست ثابتةً في العالمِ العربيِّ. فالأجيالُ الشابَّةُ، خصوصًا في المدنِ الكبرى، باتت تميلُ إلى الزهدِ في المبالغةِ بالحُليِّ الثقيلةِ، مفضِّلةً تصاميمَ عصريَّةً خفيفةً، أو حتى استثماراتٍ رقميَّةً وأسهمًا بديلةً.

ومع ذلك، يبقى الذهبُ حاضرًا في الوجدانِ؛ إذْ يصعبُ أن يخلوَ أيُّ زواجٍ أو مناسبةٍ من لمعةٍ تُذكِّرُ بأنَّ الجذرَ الثقافيَّ ما زالَ قويًّا رغمَ تبدّلِ الأزمنةِ.

 

خاتمةٌ: بينَ التراثِ والحداثةِ

إنَّ علاقةَ النساءِ العربياتِ بالذهبِ ليستْ مجرَّدَ ميلٍ للجمالِ، بل هي نتاجُ قرونٍ من التشكُّلِ الاجتماعيِّ والاقتصاديِّ، حيثُ تداخلَت الرمزيَّةُ بالواقعيَّةِ، والجمالُ بالضمانِ، والميراثُ بالعاطفةِ.

لقد كان الذهبُ، وما يزالُ، مرآةً لهويَّةٍ أنثويَّةٍ ترى في المعدنِ الأصفرِ رمزًا للثباتِ وسطَ عالَمٍ مضطربٍ.
وإذا كانتِ المرأةُ الغربيَّةُ قد وجدتْ في المؤسَّساتِ الحديثةِ ضمانتَها، فإنَّ المرأةَ العربيَّةَ وجدتْ في الذهبِ امتدادًا لذاتها وحريَّتِها وأمانِها.

ومع مرورِ الزمنِ، قد تتراجعُ بعضُ أشكالِ هذا الارتباطِ، لكنَّ البريقَ العاطفيَّ الذي يجمعُ المرأةَ العربيَّةَ بالذهبِ سيبقى شاهدًا على تزاوجِ المادَّةِ بالروحِ، والتاريخِ بالوجدانِ، في واحدةٍ من أعمقِ العلاقاتِ الرمزيَّةِ التي نسجَها الإنسانُ مع الجمالِ والثقةِ في آنٍ واحدٍ.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى