الاحدثمراجعة كتب

قراءة في كتاب عليٌّ وحيداً للمفكر علي شريعتي | بقلم علي أمين

يبدأ المفكر علي شريعتي محاضرته الواردة في هذا الكتاب بالحديث عن العلم والتعليم وأهميتهما في بلدان العالم الثالث، التي يسميها “البلدان الراكدة”. ومن خلال هذا المدخل، يوجّه نقداً لرؤية كثير من المثقفين الذين يظنون أن التنمية والتقدم يمكن أن يتحققا عبر العلم والتكنولوجيا وحدهما. يخالفهم شريعتي هذا الاعتقاد، مؤكداً أن المعرفة والبصيرة والعقيدة الراسخة في العقول هي الأساس الذي ينهض بالمجتمعات ويمنحها قوة داخلية متماسكة؛ فالتكنولوجيا بلا أخلاق، والتقدم بلا منظومة قيم، ينقلبان عبئاً لا نهضة.

 

ويتناول شريعتي سؤال الارتباط بين الإسلام والتشيّع، وكيف يؤمن كثيرون بالمذهب ويحبون الإمام علي عليه السلام دون التعمق في شخصيته، أو فهم معاني سيرته، أو إدراك قيمه الإنسانية. فالهالة التي تُرسم حول الإمام علي، والخطب والقصائد والمجلدات التي تمجّده، وإن كثرت، فإنها، برأي شريعتي، لم تقدّم للأجيال الجديدة معرفة حقيقية بعليّ الإنسان، عليّ الفكر، عليّ المثال الأخلاقي. ويصل بالتالي إلى أن المبالغة في التقديس من دون معرفة تتحوّل إلى نوع من “الصنمية”، لأن المحبة التي لا تستند إلى فهمٍ واعٍ لا تثمر، ولا تُنتج الشفاعة الحقيقية التي تقوم على معرفة الإمام ومعرفة قيمه.

 

ويبرز شريعتي مفهوم “الانتصار في قلب الانكسار”، وهو ما يراه قد تجسد في سيرة الإمام علي، حيث تتحقق المعرفة بالنصر، لا من خلال الانتصار الظاهر فقط، بل من خلال القدرة على الثبات والصبر والكلمة والموقف بين الكلام حيناً والصمت حيناً آخر. ومن هنا ينتقد شريعتي الشعبوية التي تسللت إلى بعض المدارس الفكرية والديانات، مبيّناً أنها قد تشوّه الوعي العام، لكنها لا تستطيع النفاذ إلى جوهر العلوم الثابتة وقوانينها كقوانين الحركة والطفو وفيزياء آينشتاين، وهو ما يكشف الفرق بين الفكر المتغيّر والعلوم الراسخة.

 

ويستشهد شريعتي بقول الإمام علي في نهج البلاغة: “ولبس الإسلام لبسَ الفرو مقلوباً”، موضحاً كيف انقلبت القيم في بعض الأزمنة حتى صار الفسوق نسباً والعفاف عجباً، وغاض الصدق وفاض الكذب. ومن خلال هذا السياق يبين كيف تُضخ الهالة الأسطورية في شخصية الإمام علي، بينما الدعوة الحقيقية هي للبحث في شخصيته الإنسانية العميقة، وفي القيمة البشرية التي كرّمها الله حتى سجدت لها الملائكة.

 

وينتقل شريعتي إلى مفهوم “الوحدة”، أو “الوَحدة الوجودية للإنسان العظيم”، مستشهداً بالنماذج التاريخية والأسطورية التي يظهر أصحابها عادة أشخاصاً وحيدين، لا لأنهم معزولون، بل لأن وعيهم أعمق من أن ينسجم مع ما يألفه عامة الناس. فالإنسان، كما يقول، قد يكون وحيداً لأنه غريب عمّا يأنس إليه الآخرون، كالعطشان الذي يبقى ظامئاً عند حافة منهلٍ يشرب منه الجميع. فـ”الأسد لا يئن أمام الثعالب”، بل يكتم وجعه ويواجه قدره بصمت.

 

ويقدّم شريعتي الإمام علي نموذجاً لهذا الإنسان العظيم الوحيد: عامل بناء بسيط يحفر الآبار ويسقي الناس، ومحارب شجاع يضرب بالسيف، وقائد سياسي مُحنّك، وأبٌ وزوج وصديق. وكلما ازدادت معرفتنا بعلي، ازدادت محبتنا له، واشتد الشعور بالسمو الروحي الذي يرافق فهم سيرته. ومن هنا، يرى شريعتي أن الأرواح التي تتسامى في فضائلها وأفكارها تعيش غالباً حالة انفصال عن مجتمعها وزمانها، لأن مستوى وعيها لا ينسجم مع السائد.

 

ويربط شريعتي بين كون الإمام علي “منبت النبوة” وموقعه باعتباره الرجل الثاني في البيت النبوي، وبين حمله لأثقال المسؤولية التي لم يستطع غيره حملها. ويستشهد بحديث الرسول: “أنت مني بمنزلة هارون من موسى، إلا أنه لا نبي بعدي”، مبيناً أن هذا المقام جعل عليّاً في موقع يُنتظر منه أن يواجه تحولات كبرى في الأمة، خاصة بعد انتقالها من مرحلة الشورى البسيطة إلى بدايات العصبيات والتحزبات، وهو ما تجلّى لاحقاً في الانقسام في صفين. وقد رسّخ هذا الواقع أهمية مبدأ الشورى، وضرورة الوقوف في وجه الظلم، والمطالبة بحق الأمة، وهو المبدأ الذي ورثه أبناء علي من بعده.

علي امين، رئيس مركز الاميرال لدراسات المستقبل

علي امين مواطن يمني، رئيس مركز الاميرال لدراسات المستقبل في العالم السيبراني. تلقى تعليمه الجامعي في ادارة الاعمال وشغل مركز رئيس اتحاد الطلبة في معهد الثورة.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى