نزع السلاح من القلوب | بقلم الأب ألبر حبيب عسّاف

بعد نحو خمسين عاماً من الحروب المتعددة، وفي بلدٍ أنهكته المواجهات والصراعات وتراكم الأحقاد، جاء كلام قداسة البابا لاوون الرابع عشر خلال زيارته للبنان ليصيب لبّ المشكلة حين قال: «انزعوا السلاح من قلوبكم». جملة قصيرة، لكنها تختصر عقوداً من التجارب اللبنانية. فالسلاح ليس فقط ما يُحمَل على الكتف؛ فهناك ما هو أخطر: السلاح المزروع في الداخل وأقصد في اللغة، في المواقف، في الذاكرة، في طريقة النظر إلى الآخر، في تصنيفه، وفي إصدار “أحكام المؤبّد” عليه. وكأنّ لا شريعة تعلو على ما في نفوس المتسلّطين “المسلّحين” من أوهام واهية ومن أمجاد بالية. وهكذا تتحوّل القلوب إلى مستودع ذخيرة، بدل أن تكون منبع رحمة ومحبّة وألفة وصلاح. يقول أحد النصوص المتداولة: «من فيض القلب يتكلم اللسان». والمعنى السياسي والاجتماعي واضح: لا يمكن لفردٍ أو جماعة أن تنتج خطاباً هادئاً فيما هي مشبعة بعنفٍ داخلي. كثير من اللبنانيين يعيشون اليوم في حالة “استنفار دائم”، وكأنّ كل حوار معركة، وكل اختلاف حرب صغيرة.
وهذا المناخ يصنع سلاحاً أشد فتكاً من البندقية: سلاح الكلمات. كم من مسيرة بُنيت ثم انهارت بسبب كلمة؟ وكم من شخصية سقطت لا برصاصة، بل بعبارة لاذعة أو اتهامٍ متعجّل أو شائعة قاتلة؟
اللسان شرارة تُشعل الغابة السياسية. فالقديس يعقوب وصفه بأنه “كقشّة كبريت تُحرق غابة كاملة”. واليوم نرى كيف يمكن لتصريح واحد، أو تغريدة، أو خطاب مرتجَل أن يفجّر توتراً سياسياً يعمّ البلاد.
في لبنان ليست المشكلة في غياب الحلول، بل في وفرة الكلمات السامّة: خطاب التخوين، خطاب التصنيف، خطاب الشحن الطائفي… كلها أسلحة متاحة بلا رخصة، تُستعمل يومياً، وتخلّف دماراً اجتماعياً لا يقلّ خطورة عن أي سلاح حربي.
هذا هو السلاح الحقيقي الذي يمنع أي استقرار. وحين تحدّث البابا عن “السلاح في القلوب”، لم يكن يقصد الشعر والبلاغة؛ بل كان يشير إلى حقيقة يعرفها اللبنانيون جيداً: لا طاولة حوار تنجح، ولا إصلاح يتحقق، ولا جماعة تزدهر، طالما يحمل كل طرف داخله مخزوناً من الريبة والكراهية والاستعلاء والاستقواء والانانية وحب التسلط.
السلاح الخارجي قابل للتفاوض، لكن السلاح الداخلي لا يُنزع بالمواثيق،
بل بالتوبة الداخلية، وبالتحوّل الثقافي والأخلاقي والمعيشي.
المعادلة بسيطة وواضحة:
لا دولة مستقرة حين يبقى المواطن في حالة اصطفاف دائم. ولا كنيسة قديسة حين تغرق بالأحكام الجاهزة. ولا اقتصاد ينهض حين يكون المجتمع غارقاً في الشحن. ولا سلطة تصلح حين تُدار البلاد بعقلية المناكفات.
نزع السلاح من القلوب هو الشرط الأول لأي مشروع سياسي جدّي. إنه الممرّ الإلزامي قبل الإصلاح، قبل التفاوض، قبل اللامركزية، قبل الحياد، قبل أي مشروع وطني آخر.
لبنان لا يحتاج فقط إلى “نزع السلاح”،بل إلى نزع الذهنية المسلحة. إلى ثقافة جديدة ترى في الآخر شريكاً لا خصماً. إلى خطاب مسؤول يعترف بأن الكلمة قد تعمّر كما قد تدمّر.
قد تكون جملة البابا بسيطة، لكنها تحمل في طياتها برنامجاً سياسياً كاملاً: إذا لم يُنزع السلاح من القلوب، فلن يُنزَع من الشوارع، ولن تُنزَع من حياتنا هذه الفوضى، وهذا الاستقواء الفارغ، وهذا التسلّط الأعمى.




