ازمة لبنانالاحدث

100سنة والخارطة تضيق | بقلم د. خطّار حاطوم

قرن على إعلان لبنان الكبير، لا يواجه الأمة توسعًا أو إصلاحًا، بل انكماشًا.فهذا الرحم تمزق بفعل إرادته. يتلاشى حلم الجمهورية التعددية ليحل محله واقعٌ متشرذم، حيث ينسحب لبنان إلى قلبه الجبلي، ويتمسك شعبه بولاءاتٍ موروثة تتجاوز الحدود الحديثة.

كانت متصرفية جبل لبنان الأصلية، وهي مقاطعة عثمانية شبه مستقلة، النواة الروحية للفكرة اللبنانية. عندما وسّعت فرنسا حدودها عام ١٩٢٠ لتشمل طرابلس، ووادي البقاع، وصيدا، وصور، والحدود الجنوبية، ضاعفت بذلك مساحة لبنان وتعقيده. هذه المناطق، الغنية بتنوعها، حملت أيضًا ولاءاتٍ تنافسية.
اليوم، يتلاشى هذان الطرفان – ليس جغرافيًا فحسب، بل روحيًا أيضًا.

يُشكل جنوب لبنان بحسابات حزب الله الاستراتيجية وعقيدة المنطقة العازلة الإسرائيلية. وادي البقاع، الذي كان يومًا ما مهدًا للزراعة والعيش المشترك، يتردد صداه الآن على وقع خطوات الميليشيات والمهربين. وقد تجد طرابلس، بأغلبيتها السنية وعلاقاتها الهشة مع لبنان، نفسها منجذبة إلى محور شمالي جديد، خاصة إذا عادت دمشق للظهور تحت تحالف بقيادة سنية متحالف مع دول إسلامية أوسع.

هذا التشرذم ليس نظريًا، بل هو تجربة معاشة. مؤسسات لبنان مشلولة، وسلطته المركزية متآكلة، وسيادته متهالكة بسبب جهات فاعلة غير حكومية ولاؤها لعواصم أجنبية أكثر من ولائها للحكومة في بيروت.

يهيمن حزب الله على الجنوب، ويستمر النفوذ السوري في الشمال. وقد خلّف الانسحاب الدولي وراءه خليطًا من المناطق، لكل منها قواعدها وولاءاتها وطموحاتها. إذا استمر هذا التوجه، فقد ينتكس لبنان إلى جوهره الجبلي: جيبٌ مُحاطٌ بحدودٍ متغيرة وجيرانٍ غير مُستقرين. “لبنان أصغر من لبنان الكبير”، أصغر حتى من مُخطط عام ١٩٢٠، مُجزّأً بخطوط الصدع الطائفية والمصالح الجيوسياسية.

ومع ذلك، هذه ليست دعوةً لليأس، بل دعوةً للمصارحة. إن بقاء لبنان لا يعتمد على الحنين إلى حدوده التي فرضها الانتداب الفرنسي، بل على إعادة تقييمٍ رصينةٍ لما تعنيه السيادة في القرن الحادي والعشرين. إذا أُريدَ للجمهورية أن تدوم، فعليها إعادة تعريف نفسها – ليس بحجم أراضيها، بل بقوة مؤسساتها، وشمولية سياساتها، وصمود شعبها.

قد يُنادي جبل لبنان من جديد – ليس كملاذٍ، بل كتجدد. تاريخيًا، كان ملاذًا للموارنة والدروز، ولا يزال القلب الرمزي للأمة. إنه المكان الذي تستمر فيه الحياة المدنية، حيث لا تزال المؤسسات تعمل – مهما كان ضعفها – وحيث تدوم الفكرة اللبنانية.

هذا الارتداد ليس جغرافيًا فحسب، بل نفسيّا أيضًا. ينسحب المواطنون اللبنانيون إلى هويات طائفية، وولاءات محلية، وسياسات بقاء. تتلاشى رؤية لبنان كدولة تعددية ذات سيادة. ما تبقى هو جمهورية جبلية، محاطة بمناطق متنازع عليها ومصالح أجنبية.

في منطقة تُعيد فيها الميليشيات والذاكرة رسم حدودها، يُقدم لبنان درسًا هادئًا مفاده: أن السيادة الحقيقية لا تُقاس بالكيلومترات المربعة، بل بالقدرة على الحكم العادل والشامل. قد يكون الجبل كل ما تبقى، ولكنه قد يكون أيضًا أساسًا لبداية جديدة.

قد تتفكك حدود لبنان، لكن روحه باقية. من الجبل، قد تنهض رؤية جديدة، إذا اختارت الأمة التجديد على التراجع.

الدكتور خطّار حاطوم، باحث وأكاديمي

الدكتور خطّار حاطوم باحث وأكاديمي لبناني مقيم في الولايات المتحدة الأميركية، متخصّص في علم النفس، ومحاضر في الصحة النفسية، وكاتب في عدد من الصحف والمنصّات الثقافية. له إسهامات بحثية ومقالات تحليلية تتناول قضايا نفسية معاصرة من منظور علمي نقدي. صدر له مؤخرًا كتاب جديد في علم النفس يندرج ضمن هذا المسار الفكري. يشارك بفاعلية في النقاشات الأكاديمية والإعلامية ذات الصلة، ويسهم في ربط البحث العلمي بالفضاء العام من خلال الكتابة والنشر المتخصّص.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى