ازمة لبنانالاحدث
“من يفاوض؟ ومن يضمن؟” | بقلم الأب ألبر حبيب عسّاف

تتقدّم المفاوضات غير المباشرة بين لبنان وإسرائيل، الجارية عبر ما يُعرف بـ«لجنة الميكانيزم» وتحت مظلّة الأمم المتحدة، بوتيرة حذرة، يطغى عليها منطق إدارة النزاع أكثر من السعي إلى تسوية شاملة. فهذه الآلية، المنبثقة عمليًا عن ترتيبات القرار الدولي 1701، لا تشكّل إطارًا سياسيًا تفاوضيًا بالمعنى الكامل، بقدر ما تهدف إلى احتواء التصعيد، وضبط الخروقات، ومنع الانزلاق إلى مواجهة واسعة على الحدود الجنوبية.
غير أنّ محدودية هذا الإطار الإجرائي لا تعني غياب العناصر الاستراتيجية المؤثّرة في مسار التفاوض. فخلف النقاشات التقنية، يبرز عامل غير معلن لكنه حاسم: مسألة امتلاك حزب الله لما يُعرف بالصواريخ الدقيقة، بما تحمله من دلالات عسكرية وسياسية وسيادية في آن.
لا تُطرح الصواريخ الدقيقة رسميًا على طاولة لجنة الميكانيزم، ولا تُناقش كملف مستقل، إذ لا تدخل أصلًا ضمن صلاحياتها. إلا أنّ وجودها يُشكّل متغيّرًا ضمنيًا يحدّد سقوف التفاوض وحدوده. فإسرائيل تأخذ في حساباتها كلفة أي تصعيد قد يفضي إلى استخدام هذا النوع من السلاح، فيما يدرك حزب الله أنّ الانتقال من الردع الصامت إلى الاستخدام العلني سيؤدّي إلى تبدّل جذري في قواعد الاشتباك.
في هذا السياق، تتحوّل الصواريخ الدقيقة إلى عنصر ردع غير مُعلن، يضغط باتجاه تسويات موضعية واحتواء الأزمات، بدل الذهاب إلى مواجهة شاملة. وبذلك، لا تكون هذه الصواريخ موضوعًا للتفاوض، بل شرطًا من شروطه غير المعلنة.
تُظهر التجارب المقارنة في النزاعات الإقليمية أنّ أدوات الردع العسكرية غالبًا ما تتحوّل، في مراحل لاحقة، إلى أوراق تفاوض سياسية، شرط توافر دولة قادرة على إدارتها ومؤسسات شرعية تحتكر قرار الحرب والسلم. في الحالة اللبنانية، تبرز مفارقة بنيوية: فالسلاح يعزّز موقع لبنان التفاوضي نظريًا، لكنه يُضعف الدولة عمليًا، نظرًا لكونه خارج إطار القرار السيادي والمؤسسات الدستورية.
في هذا الإطار لا يمكن استبعاد فرضية باتت مألوفة في إدارة النزاعات المعقدة، مفادها أن بعض الأطراف الدولية قد ترى في إعادة تعريف وظائف الدولة اللبنانية، أو في تكييف بنيتها الدستورية والعملية، خيارا أقل كلفة من الذهاب إلى مواجهة عسكرية مفتوحة لنزع السلاح بالقوة.
ولا يُطرح هذا المسار بالضرورة كخيار صريح أو معلن، بل قد يتسلل في صيغة “التسويات التدريجية” التي تعيد تشكيل أدوار الدولة و وظائفها الأساسية، أو تقيّد قدرتها على ممارسة سيادتها الكاملة في الدفاع والسياسة الخارجية، تحت عناوين الاستقرار، أو منع الانهيار الكامل، أو إدارة المخاطر. في هذه المقاربة يتحول السلاح “الدقيق” إلى عامل يعيد صياغة الدولة نفسها، عبر مسار إستنزافي هادىء يُبقي الكيان قائما شكليا، فيما يُعاد تعريف مضمونه السيادي عمليا!
وعليه، فلا يقتصر السؤال السيادي على مسألة امتلاك السلاح أو نزعه، بل يمتد إلى ما إذا كان لبنان سيدعى، في لحظة تفاوضية ما، إلى دفع ثمن سياسي بنيوي باهظ مقابل تفادي الحرب أو عدم الزوال… ولا يعلن صراحة بل يُستنزف تدريجيا من وظائف الدولة و دورها و قدرتها على احتكار القرار السيادي باسم جميع مواطنيها.
هنا، لا يكمن التحدّي الأساسي في امتلاك السلاح بحدّ ذاته، بل في موقعه السياسي. فغياب الدولة القادرة على احتكار أدوات القوة يحوّل الردع من عنصر حماية وطنية محتملة إلى مصدر التباس سيادي، ويُدخل لبنان إلى مسار تفاوضي بصفة «الدولة ناقصة السيادة».
أحد أبرز الإشكالات التي تواجه مسار المفاوضات غير المباشرة لا يتمثّل في موازين القوى العسكرية فحسب، بل في غياب العنوان السيادي الواضح. فالدولة اللبنانية تُطالب بالتفاوض والالتزام، من دون أن تملك السيطرة الكاملة على عناصر القوة، فيما يتحوّل حزب الله إلى فاعل ردعي وتفاوضي غير مباشر، من دون أن يكون ممثَّلًا رسميًا على الطاولة.
هذا الخلل البنيوي يطرح أسئلة جوهرية لا تقتصر على الطرف الإسرائيلي أو المجتمع الدولي، بل تطال اللبنانيين أنفسهم في الداخل والاغتراب: من يقرّر في لبنان؟ من يفاوض باسمه؟ ومن يضمن تنفيذ أي تفاهم أو اتفاق محتمل؟
فبالنسبة إلى اللبنانيين المقيمين في الداخل، يرتبط هذا السؤال بمخاوف مباشرة من الحرب والانهيار وعدم الاستقرار. أما اللبنانيون في الاغتراب، فيتابعون هذه المفاوضات من زاوية مختلفة، لكن لا تقل قلقًا: قلق على دولة لم تستعد بعد احتكار قرارها السيادي، ولا ثقة مواطنيها، ولا ثقة المجتمع الدولي.
ولا يتمحور الانقسام اللبناني حول مبدأ الدفاع أو حق الردع، بقدر ما يدور حول موقع هذا الدفاع وحدوده، وحول ما إذا كان يُدار باسم الدولة ومؤسساتها، أم ضمن معادلات إقليمية تتجاوز الإطار الوطني.
في المحصّلة، لا تشكّل الصواريخ الدقيقة جوهر الإشكالية بقدر ما تعكس أزمة أعمق تتعلّق بطبيعة الدولة اللبنانية نفسها. فهي تؤدّي وظيفة ردعية خارج إطار الدولة، وتؤثّر في مسار التفاوض وحدوده، فيما تبقى المؤسسات الرسمية في موقع المتلقّي لا الفاعل.
وعليه، يصبح السؤال المركزي في أي نقاش حول المفاوضات غير المباشرة أو مستقبل الاستقرار على الحدود الجنوبية سؤالًا سياديًا بامتياز: هل يمتلك لبنان دولة قادرة على التفاوض باسم جميع مواطنيها، وضمان تنفيذ التزاماتها، واحتكار قرار الحرب والسلم؟
إلى أن يُحسم هذا السؤال، ستبقى المفاوضات محكومة بالحذر، والسلام مؤجّلًا، ولبنان عالقًا بين توازنات السلاح ومتطلّبات الدولة السيدة والحرة والمستقلة.




