إقتصادالاحدث

حين يجتمع المال والأخلاق: ازدهار البنوك الأخلاقية عبر العالم | بقلم د. بولا الخوري

ليس بالضرورة أن تصل ممارسات البنوك الى المنحدرات التي انزلقت اليها في لبنان أو في الأرجنتين عبر سرقة أموال المودعين علناً، حتى تبدو الحاجة لنموذج آخر من البنوك يضع المودع في موقع القرار اليومي في إدارة أمواله وطرق استثمارها. تنتشر هذه البنوك عبر العالم اليوم، وإن كانت لا تزال طرية العود فتجربتها واعدة لأنها تثير بشكل متزايد اهتمام المودعين العاديين كما المستثمرين.

 

يعبر هذا النموذج عن نوع من العودة الى الفكرة الأساسية للبنك الذي يدير المال ولا يمتلكه. وكان الكثير من البنوك التقليدية قد وصل الى درجة عالية من التعتيم على عمليات استثماره، بشكل خاص في مجالات غير شرعية كتبيض الأموال وتجارة السلاح والمخدرات وتوظيف المدخرات في مؤسسات وشركات لا تخدم المصلحة العامة لا بل تشكل ضرراً على سلامة المواطنين وعلى البيئة. مما يؤمن أرباحاً للمساهمين أكثر من الحرص على خدمة مصالح المودع.

 

لا تعتمد البنوك الأخلاقية المضاربات في البورصة، وتقوم باستثمارات طويلة الأمد بدلاً من تلك قصيرة، لأنها تعتبر أن المشاريع الاجتماعية بحاجة لوقت لتؤتي ثمارها، فالعائد على الاستثمار لا يكون مباشراً وينخفض مع الوقت.

 

لا تطالب هذه البنوك بضمانات للقروض بل تدرس الأثر الاجتماعي القيّم للمشاريع التي تمنحها القرض، أي انها لا تهتم بعناصر السيولة لدى المقترض بل بمضمون المشروع ومفاعيله الاجتماعية. فضلاً عن ذلك تؤمن المتابعة التقنية للمشاريع التي تمولها، ومن ضمنها تقديم النصائح والتدريب. ومع العلم انها تتعرض لمخاطر أكبر لناحية سداد القروض، فإنها تكافح مع المستفيدين من قروضها للحفاظ على مبادئها في خدمة الشأن العام.

 

بالرغم من أن الفوائد التي تؤمنها البنوك الأخلاقية هي أكثر انخفاضاً من تلك التي تمنحها البنوك التقليدية، فعدد المودعين الذين يختارون التعامل يتزايد منذ سنوات بسبب تطور الوعي بأهمية المشاريع الاجتماعية في قطاعات الاقتصاد المختلفة، وبوجه خاص في مجال الحفاظ على البيئة والصحة. لكن العامل الأهم وراء تطور هذا الاتجاه هو دون شك حجم الفضائح العالمية للبنوك التقليدية وشعور المودع بشكل عام بأنه لا يمتلك القرار ولا حق النظر على أمواله وكيفية استثمارها.

 

في البنوك الأخلاقية يتدخل المودع مباشرة في صناعة القرارات المالية مما يمنحه الشعور بالقدرة على لعب دور فاعل في ميادين الاستثمار، عدا التعرف على مشاريع بديلة وخلاقة ومتابعتها مما يزيد من معارفه واعتزازه بنفسه. وعلى العكس من البنوك التقليدية التي تعتمد في التصويت على مبدأ لكل سهم صوت، فالبنوك الأخلاقية تعتمد لكل فرد صوت بغض النظر عن الأسهم التي يمتلكها.

 

الفكرة ليست جديدة لكنها اتخذت أهمية خاصة بعد الانهيار المالي العالمي عام 2008، وتبلورت كذلك عبر تبنيها لمبادئ المسؤولية الاجتماعية والبيئية والإنسانية للاقتصاد الذي لا يبغي الربح بالدرجة الأولى. وذلك عبر اعتمادها حصرية الاستثمار في مشاريع ذات منفعة وأثر إيجابيين على البيئة والإنسان.

 

تاريخياً وبدءاً من القرن السادس عشر، اعتمدت بعض البنوك الإيطالية سياسات تمويل للمنشآت المحلية نابعة من معتقدات كاثوليكية خيرية. وتبنت سياسات تحريم الربا ووضع سقف للفوائد مثل ما تعتمده البنوك الإسلامية في أيامنا. كما منعت الإقراض لمصاريف البذخ النافلة. وكانت إحدى أهم ميزاتها الإقراض للنساء.

 

في القرن التاسع عشر ظهرت أول اتحادات للقروض وبنوك تعاونية خدمة لرواد الأعمال من الطبقة الوسطى الصاعدة وأصحاب المداخيل المتواضعة، وكانت تعتمد تجميع المدخرات لضخها في المشاريع ودعم الاقتصاد المحلي، ومن ميزاتها انها كانت توفر تعليماً وتدريباً مالياً للمقترض. وفي هذه المرحلة ظهرت أولى بطاقات الائتمان.

 

في المرحلة الحديثة ظهرت في السبعينيات من القرن الماضي أول بنوك تعتمد المبادئ الأخلاقية في حكومتها، وإدارتها للعمليات المالية وخدمتها للمجتمع المحلي.

 

بين الثمانينيات ونهاية القرن الماضي بدأت أفكار التنمية المستدامة تتبلور داخل هذه البنوك، من ناحية أخذ إدارة المخاطر البيئية بالاعتبار حين منح القروض، فضلاً عن انشاء صناديق تعاضدية لتمويل سياسات خفض الكربون والاستثمارات ذات الأثر الاجتماعي الإيجابي.

 

صحيح أن الكثير من البنوك التقليدية تتبنى في أيامنا هذه سياسات تعتمد المزيد من الشفافية في عملياتها وتقاريرها السنوية، وتلتزم بالاتفاقات الدولية للتنمية المستدامة والحفاظ على البيئة، فضلاً عن سياساتها التوظيفية الأكثر عدالة ومنحها المودعين حق النظر في أنشطتها. لكن البنوك البديلة التي تسمى بالبنوك الأخلاقية تعتمد هذه المبادئ بصورة حصرية ولا تقبل بأي عمليات تخرج عن إطارها. فلا تقبل هذه البنوك أي مودع لا يؤمن فائدة للمجتمع أو يتسبب على العكس بأضرار له.

 

تنتشر هذه البنوك في أوروبا والولايات المتحدة وكندا بشكل واسع، لكنها توجد أيضاً في بلدان في آسيا وأميركا اللاتينية وأفريقيا. وهي تتشكل ضمن اتحادات دولية تتيح لها تبادل الخبرات وتفعيل تأثيرها على المنظمات العالمية والسياسات الاستثمارية في بلدانها وعبر العالم، منها مثلاً فيبيا في أوروبا والتي تمثل 32 مصرفاً ومؤسسة مالية. في العالم العربي لا توجد مصارف أخلاقية مدنية على غرار البنوك الإسلامية التي تعتمد الشريعة الإسلامية ومحرماتها في التمويل والتي انتشرت عالمياً في العقود الأخيرة وتتشابه في بعض مبادئها مع البنوك الأخلاقية.

 

لا شك ان تطور المنشآت الاجتماعية والبيئية عبر العالم قد ساهم في ابراز أهمية هذه البنوك وتطورها. يضاف الى ذلك ظهور وانتشار سياسات القروض الصغيرة منذ حوالي نصف قرن. وقد نشأت هذه الأخيرة أصلاً من فكرة أن الخدمات المصرفية والقروض ليست متاحة لكل البشر بصورة عادلة. فالمشاريع الصغيرة ومهما كان أثرها الإيجابي المجتمعي أو البيئي أو لناحية خدمتها للاقتصاد المحلي لم تكن تحظى بقروض، وهذا ما كان يقصي بوجه خاص النساء الفقيرات أو محدودات الدخل عن المساهمة في الاقتصاد، وتحقيق مشاريعهن والتي تبدو اليوم أهميتها وتطور الكثير منها الى منشآت كبرى بل عالمية.

 

يبدو حيوياً تطوير هذا النوع من البنوك في العالم العربي، وخاصة في بلد مثل لبنان حيث ظهرت أبشع أنواع السلوكات المصرفية وأكثرها إجراماً مما أدى الى انهيار القطاع المصرفي بأكمله. كما تظهر ضرورتها الحيوية لتمويل قطاعات الاقتصاد البديل الناشئة ومنظماتها كما السياسات والمبادرات البيئية.

د. بولا الخوري باحثة وصحافية في علم الاجتماع

د. بولا الخوري، باحثة مشاركة في مركز التحليل والتدخل الاجتماعي CADIS في معهد الدراسات العليا في العلوم الاجتماعية في باريس EHESS - CNRS. لدى الخوري خبرة لأكثر من 20 عاماً كعالمة اجتماع وصحافية، حيث تساهم في تعميم نظريات العلوم الاجتماعية في الصحافة بغية جعلها بمتناول الجمهور غير الأكاديمي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى