اجتماعالاحدث

بِمُناسَبَةِ أُسبوعِ الصَلاةِ مِن أَجلِ وَحدَةِ المَسيحِيّين | بقلم د. سمير جاموس

بَعدَ طولِ غِياب، وَجَدتُ لِزامًا على نَفسي الكِتابَةَ في هذِهِ المُناسَبة، مُبدِيًا رَأيي في أَسبابِ تَشَرذُمِ المَسيحِيّين، و مُقتَرِحًا حَلًّا قَد لا يُرضي الجَميع.

إذا عُدنا بِالذاكِرَةِ إلى الوَراءِ البَعيد، لَوَجَدنا أَنَّ المَسيحِيّينَ تَوَحَّدوا حينَ تَوافَقَ الآباءُ الأَوَّلون على كِتابَةِ “قانون الإيمان” سَنَةَ ٣٢٥ خِلالَ مَجمَعِ نيقيا.

عَرَفَتِ المَسيحِيَّةُ بِدَعًا كَثيرَةً خِلالَ مَسيرَتِها، و كانَ مَصيرُ عَدَدٍ مِنها الإنقِراضَ تَلقائيًّا. لكِنَّ البِدَعَ تَكاثَرَت مَعَ مُرورِ الوَقت، إلى حَدٍّ باتَ مِنَ الصَعبِ وضعُ حَدٍّ لَها بِمَجهودٍ بَشَرِيّ، مِن هُنا الدَعوَةُ إلى الصَلاةِ مِن أَجلِ وَحدَةِ المَسيحِيّين، عَلَّ اللهَ يَستَجيبُ إلى دُعاءِ الراغِبينَ في الوَحدَةِ مِن جَديد، مِن خِلالِ تَدَخُّلٍ إلهِيّ، عَجائبِيّ، لِأَنَّ اللهَ على كُلِّ شَيءٍ قَدير.

بَدَأَتِ المَسيحِيَّةُ في التَفَكُّكِ، حينَ مُسَّ بِقانونِ الإيمان، مِن خِلالِ إضافَةِ ما يُسَمّى بِال Filioque، أَي إنبِثاق الروح القُدُس مِنَ الآبِ “و الإبن”، و تَبِعَتهُ عَقائدٌ – جَمع عَقيدة – مُتَنَوِّعَةٌ، و على رَأسِها عَقيدةُ وُجودِ المطهَر، أَلتي كانَت بِمَثابَةِ نُقطَةِ الماءِ التي طَفَحَ الكَيلُ بِها.

قامَ المُصلِحُ الأَلماني مارتِن لوثِر ( Martin Luther ) بِمُبادَرَةٍ سَنَةَ ١٥١٧، فَكانَتِ النَتيجَةُ مع مُرورِ السِنين، أَنَّهُ “بَدَلَ أَن يَجبِرَها كَسَرَها”، فَأَضحى عَدَدُ الكَنائسِ البروتِستانتِيّة في العالَمِ اليَومَ أَكثَرَ مِن 25.000 كَنيسة “مُستَقِلّة”!
و مِن أَبرَزِ و أَخطَرِ البِدَعِ المَسيحِيَّةِ في أَيّامِنا، بِدعَةُ “شُهود يَهوه” ( Témoins de Jéhovah )، أَلتي أَسَّسَها شارل رُسِل ( Charles Russel ) سَنَةَ ١٨٧٢ في الوِلاياتِ المُتَّحِدَةِ الأَميركِيّة، و التي تَضُمُّ حَوالي ٧،٧ مَليون شَخص.

عَرَفَ يَسوعُ المَسيح الطَبيعَةَ البَشَرِيَّةَ، و نَزعَةَ البَشَرِ إلى التَفَرُّقِ بَدَلَ الإتِّحاد، فَكانَت صَلاتُهُ الكَهنوتِيَّةُ قَبلَ صَلبِهِ التي تَخَلَّلَها طَلَبُهُ مِنَ الآب أَن يَكونَ تَلاميذُهُ “واحِدًا” كَما هُوَ و الآبُ واحِد ( يوحَنّا ١٧ : ١١ ).
يَبقى الحَلُّ المَنطِقِيُّ الوَحيد، بِالعَودَةِ إلى قانونِ الإيمان كَما تَوافَقَ عَلَيهِ الآباءُ الأَوَّلون – “إنَّ العَودَةَ عَنِ الخَطَإ فَضيلة” – سَنَةَ ٣٢٥ في نيقيا، و بِاحتِرامِ رَغبَةِ إلهِنا و مُخَلِّصٍنا يَسوع المَسيح، بِأَن يَكونَ هُناكَ رَأسٌ الكَنيسَةِ الجامِعَةِ، مُمَثِّلًا يَسوع على الأَرض، و خَليفَةً لِلقدّيس بُطرُس “الصَخرة”، و التَراجُع عَن “عِصمَةِ” مَن يَجلِسُ على كُرسِيِّ بُطرُس، لِأَنَّهُ غَيرُ مَعصومٍ عَنِ الخَطَأ، كَونُهُ إنسانًا لا إلهًا.

و أُنهي مَقالَتي هذه بِقَولِ الإمام عَلي بِن أَبي طالِب المَأثور : “لا رَأيَ لِمَن لا يُطاع”.

د. سمير جاموس

الدكتور سمير جاموس طبيب نفسي وخبير محلف لبناني يتمتع بمسيرة مهنية وأكاديمية حافلة بدأت بحصوله على دكتوراه الطب العام من جامعة القديس يوسف عام 1979 وتخصص الدراسات العليا في الطب النفسي من جامعة باريس الخامسة عام 1984. شغل خلال عقود من العطاء مناصب قيادية واستشارية في مستشفيات مرموقة بين لبنان وفرنسا، أبرزها مستشفى الصليب ومستشفى القديس جاورجيوس ومستشفى جبل لبنان، بالإضافة إلى عمله كخبير محلف لدى المحاكم اللبنانية منذ عام 1988 وممارسته الطبية الأخيرة في غرينوبل بفرنسا. كما ساهم أكاديمياً كأستاذ محاضر في كبرى الجامعات اللبنانية مثل الجامعة اللبنانية، البلمند، الروح القدس، والحكمة، مستنداً إلى كفاءة علمية عالية وإتقان لثلاث لغات عالمية.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى