
يبدو مشهد العالم اليوم وكأنه يسير بخطى متسارعة نحو إعادة تشكيل ذاته، فيبرز ما يُعرف بـ«مقترح السلام العالمي» المطروح برعاية الولايات المتحدة الأميركية، كأحد أعمدة ما يُسمّى «النظام العالمي الجديد». نظام يُراد له، بحسب أصحابه، أن يُنهي عقودًا من الاضطراب، وأن يحوّل غرب الكرة الأرضية إلى مساحة سلام وتنمية وتجارة وازدهار.
في الظاهر، يبدو المشروع وكأنه حلم طال انتظاره: عالم أقل حروبًا، أكثر استقرارًا، وأكثر قدرة على الاستثمار في الإنسان بدل استنزافه. غير أنّ التاريخ، وهو ذاكرة البشرية القاسية، يعلّمنا أن كل سلامٍ لا يُطرح السؤال عن شروطه، يتحوّل سريعًا إلى سلامٍ هشّ، أو إلى هدنة طويلة تُخفي في طيّاتها أسباب الانفجار المقبل.
إن الإشكالية الأساسية برأينا لا تكمن في فكرة السلام ذاتها، بل في المنطق الذي يحكمها. فالمقترح المطروح لا ينفصل عن معادلة حساسة أو ربما أحادية القطب، حيث يتموضع محور واحد في مركز القرار، واضعًا معايير السلام، وحدوده، وإيقاعه، ومَن يُسمح له بالجلوس إلى مائدته.
في هذا السياق، لا يمكن إغفال البعد الاقتصادي العميق للمشروع. فالنظام العالمي الجديد لا يسعى فقط إلى ضبط النزاعات، بل إلى إعادة تنظيم الموارد، والممرات الاستراتيجية، والأسواق الكبرى، بما يسمح للقوة المهيمنة بـ«ضمان» مصالحها، أو – بتعبير أقل دبلوماسية – مصادرتها قدر المستطاع، تحت عنوان الاستقرار العالمي.
تقف في قلب هذه المعادلة إيران، لا بوصفها دولة فحسب، بل كرمز للتردد في الانخراط الكامل في الشروط المفروضة. فإن وقّعت، تكون قد قبلت بمنطق النظام كما هو؛ وإن رفضت، تُصنَّف كتهديد يجب احتواؤه أو كسره.
وهنا يتسلل الخوف المشروع: أن يتحوّل عدم التوقيع إلى ذريعة، لا للحوار، بل للتصعيد. وأن يصبح «السلام» نفسه أداة ضغط، لا جسر عبور. فالمنطقة، المثقلة أصلًا بالجراح، لا تحتمل نزاعًا جديدًا، خصوصًا إذا كان نزاعًا مفتوحًا، تتداخل فيه الجغرافيا بالعقيدة، والسياسة بالاقتصاد، والدم بالنفط.
إن اندلاع مواجهة واسعة في حال فشل هذا المسار، لن يكون حدثًا عابرًا. بل سنكون نحن والشرق بأسره أمام احتمال حريق إقليمي شامل، لا يمكن التكهّن بمداه ولا بزمن انطفائه. حروب من هذا النوع لا تُدار بالعقل وحده، بل بالأحقاد المتراكمة، وبحسابات القوة العمياء، وغالبًا ما تخرج من أيدي من أشعلها.
ومن موقع القلق الإنساني، لا السياسي فقط، يحق لنا أن نسأل:
أي سلام هذا الذي يُهدَّد بالحرب إن لم يُوقَّع؟
وأي نظام عالمي ذاك الذي يُبنى على حافة الهاوية؟
من منظارٍ أدبي، لا يمكن للسلام أن يكون ثمرة إكراه. فالسلام الحقيقي، كما عرفته البشرية المتمسكة بالقيم عبر القرون، لم يُفرَض بالسيف، بل قُدِّم كطريق صعب، يمرّ عبر العدالة، والاعتراف بالآخر، وحمل مستقبل الشعوب نحو الأفضل.
السلام الحقيقي لا يولد من فائض القوة، بل من شجاعة التنازل المتبادل. لا يُبنى على خوف الدول، بل على طمأنينتها. وكل نظام عالمي يتجاهل هذه الحقيقة، قد ينجح مرحليًا في فرض الاستقرار، لكنه يفشل أخلاقيًا وإنسانيًا، ويدفع العالم ثمن ذلك لاحقًا.
نحن، اليوم، أمام لحظة اختبار: إمّا أن يكون السلام مشروع حياة، وإمّا أن يتحوّل إلى اسم آخر لحربٍ مؤجَّلة، لا نعرف متى تندلع، ولا ماذا ستترك خلفها.




