
لماذا يبتعد الكرسي الرسولي عن «مجلس السلام العالمي» الذي يولد تحت فوهات النيران؟
ليس من قبيل المصادفة، ولا من باب اللامبالاة، أن يختار الكرسي الرسولي عدم الانضمام إلى «مجلس سلام عالمي» يُعقَد فيما المنطقة الممتدة من الخليج إلى شرق المتوسط ترزح تحت وطأة الحشود العسكرية، وعلى إيقاع مخاوف اندلاع حرب إقليمية، وترقّب نتائج «تفاوضٍ تحت التهديد».
فهذا الغياب، في حدّ ذاته، موقف.
موقفٌ لا يُقرأ بلغة الاصطفاف السياسي، بل بمنطقٍ أخلاقي–فلسفي عميق، ينسجم تمام الانسجام مع ما أشرنا إليه في مقالنا السابق حول هشاشة السلام المفروض، وشبح النزاع المفتوح الكامن خلفه.
إن أكثر ما يثير حذر الكرسي الرسولي، في تقديرنا، ليس الدعوة إلى السلام بحدّ ذاتها، بل السياق الذي تُطرَح فيه. فعندما يُستدعى السلام إلى الطاولة فيما الأساطيل رابضة في البحار، والقواعد في حال استنفار، والعقوبات تُشهر كأداة خنق، يغدو السلام أقرب إلى آلية ضغط منه إلى خيارٍ أخلاقيّ حرّ، ينسجم مع القيم التي يحملها الكرسي الرسولي وتراثه الإنساني.
وهنا يتقاطع الموقف الكنسي مع أحد أعمدة الفكر السياسي الحديث، الفيلسوف إيمانويل كانط، الذي ميّز بوضوح بين سلامٍ شكليّ يولد من الخوف، وسلامٍ حقيقيّ يقوم على الاعتراف المتبادل والحرية. ففي منطق كانط، لا يمكن للسلام أن يكون ثمرة تهديد؛ لأن ما يولد من الإكراه يبقى أسير الإكراه، وينهار بزواله.
لقد أشرنا في مقالنا السابق إلى أن إيران تقف في موقع «العقدة». وهنا تتجلّى إشكالية السلام المطروح: إن وقّعت، قيل إن السلام قد انتصر؛ وإن لم توقّع، عُدّ النزاع مبرّرًا سلفًا.
هذا المنطق الثنائي — إما الامتثال وإما التصعيد — هو ما يجعل أي مشاركة كنسية في مثل هذا المجلس إشكاليةً أخلاقيًا. فالكرسي الرسولي، تاريخيًا، يرفض أن يبارك مسارًا يُبنى على معادلة: السلام مقابل الخضوع.
لقد تميّزت دبلوماسية الكرسي الرسولي بما يمكن تسميته «الحضور المختلف». فعلى خلاف الدول، لا يتحرّك الكرسي الرسولي بمنطق النفوذ أو المصالح الاستراتيجية. قوّته ليست في الأساطيل ولا في العقوبات، بل في السلطة الأخلاقية. ومن هنا حرصه الدائم على البقاء خارج منطق الأحلاف، وخارج الضغوط العسكرية، وخارج «السلام المشروط».
فحضوره الحقيقي يتجلّى حيث يُفتح باب الوساطة لا الإملاء، وحيث يُسمع صوت الضمير لا دويّ النيران، وحيث يُطرح السلام مسارًا طويلًا لا اتفاقًا سريعًا، وحيث يكون السلام العادل والدائم والشامل معيارًا لا شعارًا.
فالسلام، في الرؤية الفاتيكانية، ليس ثمرة فائض القوة، ولا نتيجة هزيمة طرف أمام آخر، بل ثمرة عدالة، ومصالحة، وحملٍ مشترك لأعباء الحقيقة.
ومن هذا المنطلق، لا يستطيع الكرسي الرسولي أن يجلس إلى طاولة سلامٍ تُظلّلها احتمالات الحرب، لأن في ذلك تفريغًا لمعنى السلام الإنساني، وتحويلًا له إلى أداة سياسية باسم الاستقرار.
إن الغياب المعلن قد يقول أكثر مما يقوله الحضور. فامتناع الكرسي الرسولي عن المشاركة في «مجلس السلام العالمي» في هذا التوقيت بالذات، ليس انسحابًا من قضية السلام، بل حمايةً لمعناه.
هو تذكيرٌ صامت، لكنه عميق، بأن السلام لا يُوقَّع تحت الضغط، ولا يُدار من فوق الشعوب، ولا يُبنى على حافة الحرب.




