الاحدثدولي

قيصر واشنطن يسبق خصومه بخطوات!! -6- | بقلم علي الهماشي

 من ريغان إلى بوش وصولاً إلى ترامب:
وفي العصر الحديث نرى هذا النمط لدى ثلاثة رؤساء أمريكان: رونالد ريغان، جورج بوش الابن، ودونالد ترامب. ولكن الأخير تطرف في خطابه وجعل نفسه محور الأحداث وفي قلبها بطريقة تختلف عن نظيريه السابقين، وربما اقترب في خطابه من النبرة التي استخدمها قيصر روما.
جذور هذا الخطاب
ليس خافياً أن الرؤساء الثلاثة من البروتستانت. وكما هو معلوم فإن البروتستانتية حوّلت أمريكا في وجدان مواطنيها من “دولة” إلى “رسالة”، ومن “نظام سياسي” إلى مشروع خلاص عالمي. أي أن الأمة تحمل رسالة، وأن لها دوراً يتجاوز حدودها. أصبح هذا جزءاً من الوعي الأمريكي منذ نشأته، وقد حمل المهاجرون البروتستانت هذا الفكر معهم، وأنهم “شعب الله المختار” الجديد، وأن أمريكا هي “كنعان الجديدة”.
هذا رسّخ فكرة أن أمريكا ليست مجرد دولة، بل نموذجاً أخلاقياً يجب على العالم الاقتداء به. وهو ما استخدمه ريغان في بعض خطبه في بداية عمله السياسي وفي خطاب الوداع للرئاسة:
“لقد تحدثت عن المدينة الساطعة طوال حياتي السياسية… في ذهني كانت مدينة تعج بالناس من كل نوع، يعيشون في وئام وسلام… وإذا كان لابد لها من أسوار، فلهذه الأسوار أبواب مفتوحة لكل من لديه القلب والشجاعة للوصول إليها.”
بينما كان جورج بوش الابن أكثر جرأة قبل ترشيحه للانتخابات، حيث ادعى بأنه منادٍ من السماء:
“أشعر بنداء من الله لي للترشح للرئاسة.. لا أستطيع تفسير ذلك، ولكني أعلم أن الله يريدني أن أفعل ذلك.”
ومفردة “النداء” شعار ديني لدى الإنجيليين، وأنه مكلّف بهذا الترشيح أو أنه “واجب شرعي”.
وبعد أحداث 11 سبتمبر نُقلت عنه حوارات بهذا الخصوص في ضرب القاعدة أو غزو العراق، ونقل جاك شيراك ما قاله عن “يأجوج ومأجوج” ووجودهم في الشرق الأوسط، والقصة معروفة.
خطاب ترامب
في لحظات مفصلية يكون الخطاب هو المؤشر، لا على الهدف فقط، بل يكشف السلوك النفسي السياسي أيضاً. وترامب لا يترك فرصة إلا ويبين أنه صانع الحدث، بل هو قطب الرحى.
وبما أننا نناقش ما يفعله في ولايته الثانية، فنحاول تسليط الضوء على ما يوحي إليه، سيّما وأن الإنجيليين البروتستانت لديهم القابلية للإيمان بذلك. فدعونا نلتقط ما قاله عند نجاته من محاولة الاغتيال المفترضة، حيث صرّح بما نصه:
“أنا أقف أمامكم في هذا المساء فقط بفضل نعمة الله القدير. الكثير من الناس يقولون إنها كانت لحظة تدخُّل إلهي.”
وفي خطاب تنصيبه قال:
“يعتقد الكثيرون أن الله أنقذ حياتي لسبب ما، وهذا السبب هو إنقاذ بلدنا وإعادة أمريكا إلى عظمتها.”
ويبدو أن ترامب يتفنن في الإغواء ويناغم قاعدته الإنجيلية، لكنه يركز في استخدام هذه الإيحاءات لأجل الداخل، لمواجهة خصومه، والمؤسسة، والدولة العميقة.
ولم يُؤشّر أنه استخدم ذلك أو وظّفه لسياسته الخارجية، وخصوصاً الشرق الأوسط. ما زال يحاول ترتيب الأوراق الداخلية ليجهز على خصومه، وهذا ما حاوله في خطابه الأخير أمام الكونغرس، حيث أشار إلى نجاحاته السياسية وما وصفه بـ “النهضة الدينية” في أمريكا، فحاول الربط بين ما قام به وبين هذه النهضة فيما يواجه به خصومه المتربصين به.
وبهذا أيضاً نرى أن ترامب يتفوق على خصومه في توظيف الدين لمشروعه السياسي، ويجعل المواجهة بين قاعدته الشعبية وخصومه، بين من يريد احياء امريكا  ورسالتها وبين الاخرين ،  ببساطة انه يريد الادعاء بأنه يمثل  السماء  مقابل من لايريد ذلك .
وبهذا تنتهي هذه السلسلة.

السيّد علي الهماشي، كاتب عراقي

السيّد علي الهماشي، كاتب عراقي مواليد بغداد، له كتابات سياسية عديدة في الشان العراقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى