ازمة لبنانالاحدث

ديمومة المؤقت: الاحتواء الداخلي للبنان عام 2026 | بقلم د. خطار حاطوم

لم يعد معدل تصاعد الصراع هو المقياس المحدد للأزمة التي تتفاقم في لبنان، بل كثافة النزوح. فمنذ تصاعد حدة الصراع مطلع مارس/آذار، اختفت طرق الفرار التقليدية، تاركةً كثُر عالقين عاجزين عن الفرار من العنف. ومع إغلاق الحدود السورية وشلل ميناء بيروت، تحوّلت هجرة مئات الآلاف من الجنوب من حركة انسيابية إلى تجمع دائم ومحدود.
مع انتهاء الأسبوع الثاني من الحرب، يشير المعطيات للوضع الراهن إلى أننا نشهد إعادة هيكلة جذرية للدولة اللبنانية. لم يعد السؤال المحوري متى ستنتهي الحرب، بل ما إذا كان النسيج الاجتماعي والاقتصادي قادراً على الصمود أمام التجمع الدائم للنازحين الذين لا مأوى لهم.
هندسة الحالة المضغوطة
لطالما اتسمت أزمات لبنان تاريخياً بـ”سهولة اختراقها”. ففي الصراعات السابقة، مثّلت الحدود مع سوريا منفذاً للهروب، سمح لمئات الآلاف باللجوء مؤقتاً خارج البلاد. أما في عام 2026، فقد أُغلق هذا المنفذ.
والنتيجة هي ظاهرة احتواء داخلي. إذ تتكدس في المراكز الحضرية لجبل لبنان والساحل الشمالي تجمعات سكانية كاملة من المراكز الزراعية الجنوبية – قرى الصيد والبلدات التجارية. هذا الوضع ليس تحولاً مؤقتاً، بل هو تصادم بين نظامين هشين. فالبنية التحتية للمناطق “المضيفة”، التي تدهورت أصلاً بفعل سنوات من الإهمال الاقتصادي، تُجبر الآن على تحمل ضعف طاقتها الاستيعابية، مما يؤدي إلى ضغط كبير على موارد مثل المياه والكهرباء والخدمات العامة.
النقص المتراكم
تتسم الأزمة الحالية بتأثير “التشديد”. فكل من مورد يتم استهلاكه لا يمكن تعويضه. ونحن نشهد سلسلة من الإخفاقات المتفاقمة.
نقطة انهيار البنية التحتية: تنهار أنظمة المياه والصرف الصحي البلدية تحت وطأة ” الأحياء العشوائية العمودية” غير الرسمية – مواقف السيارات والشقق غير المكتملة التي تؤوي الآن عائلات متعددة في الغرفة الواحدة.
فجوة السيادة الغذائية: يُعدّ الجنوب المصدر الغذائي الرئيسي في لبنان. ومع تعطل الدورة الزراعية وتشريد القوى العاملة الجنوبية، يواجه البلد خسارة كاملة لمحصوله القادم. ولا يقتصر النقص على الجوانب اللوجستية فحسب، بل هو خسارة في الإنتاج.
الفراغ الطبي: مع استمرار إغلاق مراكز الرعاية الصحية الأولية في الجنوب، وصلت مستشفيات الشمال إلى أقصى طاقتها الاستيعابية. وبدون وصول قوافل المساعدات، تتضاءل مخزونات  ادوية الأمراض المزمنة وامراض السرطان والأكسجين والمضادات الحيوية الأساسية.
فخ الاقتراض مقابل الأرض
على الصعيد المهني، يُعدّ تراجع الائتمان وتزايد الديون غير الرسمية المؤشر الأكثر إثارة للقلق على المدى الطويل. فبعد أن فقدت الأسر النازحة مدخراتها في انهيار القطاع المصرفي عام 2019، باتت تدخل في دوامات ديون غير منظمة لتوفير المأوى والغذاء الأساسي في المناطق الحضرية باهظة الثمن.
ثمة خطر محدق يتمثل في تهجير قانوني يعقب التهجير الفعلي. فإذا أُجبرت العائلات على التنازل عن سندات ملكية أراضيها الجنوبية لمقرضين غير رسميين لتسوية ديون متراكمة في الشمال، فإن “حق العودة” يصبح بلا جدوى قانونية. وقد يضمن هذا النقل الصامت للملكية أمنه حتى لو انتهى النزاع، فلن يجد المالكون الأصليون ما يعودون إليه.
احتكاك المجتمع المضيف
مع تحوّل طبيعة النزوح “المؤقتة” إلى شعورٍ دائم، يتلاشى التماسك الاجتماعي. أصبحت موارد مثل الكهرباء والماء بمثابة لعبة محصلتها صفر. فعند وصول شحنة وقود مولد كهربائي، لم تعد مجرد سلعة، بل أصبحت نقطة اشتعال محتملة للصراع بين المضيف والضيف.
بدأت البلديات في تطبيق إجراءات محكمة، بما في ذلك حظر التجول وتصاريح الدخول، مما يعكس حالة “الحدود الداخلية”. وقد أدى عجز الدولة عن توفير سجل مركزي أو آلية إغاثة إلى ترك هذه السلطات المحلية تدير أزمة وطنية بدون أي موارد.
الخلاصة: نقطة اللاعودة
إن نزوح لبنان في مارس 2026 يمثل أزمة جغرافية وحسابية ديموغرافية. فالبلاد تجد نفسها محصورة داخل منطقة أمان متضائلة، تعاني من بنية تحتية متداعية، واقتصاد غير فعال، وانعدام المساعدات الدولية.
يستقر النازحون من الجنوب في وضع دائم فرضته الضرورة. فهم يُلحقون أطفالهم بالمدارس ويبحثون عن عمل طويل الأمد في القطاع غير الرسمي لأن ديارهم بعيدة المنال ومستقبلهم غير مضمون. لم يوقف إغلاق الحدود الأزمة، بل زادها حدة، خالقاً حالة من “الضغط الشديد” حيث لا تزال أسوأ الضغوط تتراكم تحت السطح.
يبقى السؤال الأساسي قائماً: هل يشهد المجتمع الدولي ضرورة عسكرية أم إعادة تشكيل جغرافية دائمة لدولة ذات سيادة؟

الدكتور خطّار حاطوم، باحث وأكاديمي

الدكتور خطّار حاطوم باحث وأكاديمي لبناني مقيم في الولايات المتحدة الأميركية، متخصّص في علم النفس، ومحاضر في الصحة النفسية، وكاتب في عدد من الصحف والمنصّات الثقافية. له إسهامات بحثية ومقالات تحليلية تتناول قضايا نفسية معاصرة من منظور علمي نقدي. صدر له مؤخرًا كتاب جديد في علم النفس يندرج ضمن هذا المسار الفكري. يشارك بفاعلية في النقاشات الأكاديمية والإعلامية ذات الصلة، ويسهم في ربط البحث العلمي بالفضاء العام من خلال الكتابة والنشر المتخصّص.

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى