الاحدثالشرق الاوسط

القيصر لم يسبق خصومه هذه المرة بل استعجل في قرار الحرب؟ | بقلم علي الهماشي

في مقالات سابقة كتبتُ  “ قيصر واشنطن يسبق خصومه بخطوات”، وكان الحديث فيها عن النموذج الذي يقوم على الترقّب، وضبط المواقف، وتجريد الخصم من اسلحته  ويتحرك بخطوات محسوبة و مناسبة  تسبق خصمه بخطوات  وتعتمد على الادوات القانونية والشعبية والدعم المالي ، وقد نجح ترامب في ذلك .
لكن قرار الحرب على ايران الذي اتخذه الرئيس الأمريكي لم يسبق خصمه، بل استعجل فيها ، واتخذ خطوة أسرع من قدرة المؤسسات على استيعابها وهناك نوع من الارباك  ، وربما يتعثر بعدها .
 ما سيتم استعراضه هنا يقوم على السلوك  الذي مارسه الرئيس ترامب  وهو  تحت الضغط.
والنتيجة واضحة: القرار كان مستعجلًا، والتراجع عنه أصبح شبه مستحيلاً .
في مثل هذه الامور لايكفي تأييد موظفي البيت الابيض والحلقة الخاصة بل يجب ان تكون   لكل دوائر القرار رؤية واحدة  ، وهذا ما لم يحدث وهذا يعيدنا الى تصريحات نائبه السابق  بنس  عن فريق المحامين حوله في الولاية الاولى التي توضح الذهنية التي يعيشها ترامب  والتي تعني انه يحب سماع ما يحلو له  او كما عبر ” ما تريد أذناه سماعه”  وفريقه من هذا النوع !!.
فقرار الحرب قد يكون سهلاً او هكذا تصورَ  نتيجةَ ما جرى خلال حرب  ال12 يوما  على ايران في العام الماضي  ، لكن انهاء هذه الحرب او ايقافها  ليس بيد من بدأها بالرغم من أنه صرح “انه فقط من يستطيع ايقافها !!”، .
لكن لنناقش الفرضية  ( الاستعجال في اتخاذ قرار الحرب ) وهي نتيجة ضغط نفسي  ،لم يحتمله الرئيس وذلك وفق علم النفس السياسي .
1. تهديد صورة القوة:
بالعودة الى علم النفس السياسي نرى أنَّ  ترامب يعتمد على صورة “الرجل الذي لا يتراجع”.
و أي إشارة قد تُقرأ كضعف — حتى لو كانت رمزية — تولّد ضغطًا نفسيًا مباشرًا يدفعه إلى التحرك السريع ، هذا ما يسمّيه علم النفس السياسي: “تهديد صورة الهيمنة.”
وعندما يشعر صاحب هذا النمط بأن صورته مهددة، يتخذ القرار قبل اكتمال الحسابات ، ولطالما شخصن الرئيس كل شيء من أجل تعزيز صورته.
2. فقدان السيطرة على المشهد
اعتمد ترامب على الاعلام في تحركاته ، وعندما وجد أن هناك تسريبات وتضارب الرسائل داخل فريقه جعلته يشعر بأن زمام المبادرة قد يفلت منه
ولأن ترامب لا يقبل أن يكون في موقع “رد الفعل”، اختار أن يصنع الحدث بنفسه واختار الحدث أكبر وهو اعلان الحرب على ايران واغتيال قيادتها لتكون انتصارً سريعاً كما كان يظن ! ، لكن الموقف اتجه الى امور  لم تحسب بدقة .
3. ضغط القاعدة المحافظة
القاعدة الإنجيلية المحافظة — وهي الأكثر ولاءً له — تتوقع منه الحسم السريع.
هذا لا يعني أنه ينفّذ رغباتها، لكنه يشعر بضغط توقعاتها، وهو ضغط كافٍ لدفعه نحو قرار غير مكتمل، واقصد بغير المكتمل انه لم يستحضر جميع ادواته سيما وانه لم يشرك الحلفاء حتى تلك الدول التي  تستضيف القواعد الامريكية واعني بها دول الخليج، ولم يحشد الرأي العام وحتى الطبقة السياسية اتجاه ايران ،وكانت تصريحاته متباينة !!.
4. القلق الاستباقي من الخصم
لعبة المفاوضات كانت لايران دوراً في اطالتها ، وهو لم يكن يرغب بمفاوضات بل بشروط يجب الموافقة عليها ، وكان الفريق الايراني المفاوض يسعى الى أن يكون مبادراً لا متلقياً للاوامر .
هذا لم يرق لترامب ،وظن ان صورته في المشهد لن تكون  الوحيدة بل هناك خطوة قد تسبقه وهذه الامور خلقت  توترا لديه ، وهو يعتمد على (الكاريزما الشخصية ) فيخشى أن يسبقه الخصم بخطوة ، وهو ما يولد
(القلق الاستباقي) وهو أحد أهم دوافع القرارات العسكرية المتسرّعة.
5. الانقسام  حول ايران بين التفاوض والعمل العسكري .
كان  هناك انقساماً بين التصعيد والتهدئة.
هذا الانقسام لا يخلق نقاشًا صحيًا، سيما مع شخصية مثل ترامب بل يخلق ضغطًا وافعالا  غير محسوبة، لأن كل لحظة تأخير تزيد من التوتر الداخلي.
في مثل هذه الظروف  ومع الصراع النفسي الذي يعيشه الرئيس ترامب يدفعه الى التسرع بخطوة اعتقد انهاحاسمة.
التناقض الرمزي في الظهور الإعلامي: علامة على الاضطراب الداخلي
ومن بين المؤشرات التي تكشف طبيعة الضغط النفسي الذي سبق قرار الحرب، واثناء الحرب التي لم تؤدِ الى النتيجة السريعة  ظهور
تناقض صارخ للغة الجسد  وكذلك حواره مع الاخر في  مشهدين منفصلين للرئيس ترامب بعد قرار الحرب ، وهما استقباله لفريق انتر ميامي لكرة القدم الامريكي  ، ثم مشهد الصلاة والدعاء له في المكتب.
في المشهد الأول، كانت لغة جسده تحمل سمات القوة المسرحية
( كتفان مرفوعان، صدر مفتوح، حركة يدين واسعة، ابتسامات  ونكات مبالغ فيها، وخطوات واثقة.)
هذه لغة جسد  يحاول صاحبها أن يثبت أنه ما زال ممسكًا بالمشهد، وأنه قادر على إنتاج صورة القوة رغم التوتر ، وهذا المشهد اعتدنا عليه مع كثير من السياسين اثناء الحروب والازمات ..
أما في مشهد الصلاة في البيت الابيض ، فقد ظهرت لغة جسد مختلفة تمامًا (كتفان منخفضان، رأس مائل قليلًا، يدان ثابتتان أو متشابكتان، نظرات غير مستقرة، وجه متجهم ، وجسد أقل حركة) .
لم تكن  لغة جسد قائد يستعرض قوته، بل  تبحث  عن طمأنة رمزية في لحظة قلق داخلي.
هذا التناقض بين الصورتين ( القوة المسرحية مقابل الحاجة إلى الطمأنينة )ليست اختلافًا في المزاج، بل علامة على اضطراب داخلي حقيقي !.
القائد الواثق يظهر بصورة واحدة متماسكة، أما  الذي يتحرك تحت ضغط فينتقل بين صورتين متعارضتين، وهو ما ينسجم مع الاستعجال في قرار الحرب ، وما جرى بعدها ،  رغم انه ما زال ناجحاً في تغريداته او تصريحاته المتباينة التي تشتت تركيز المقابل وهي تحتاج الى تفصيل اخر في موضوع منفصل .
أصوات مناهضة للحرب داخل قاعدته:-
ما يشير  الى هذا الاستعجال أنه لم يهيئ قاعدته الشعبية لهذا الامر   وقد ظهرت معارضةً لقرار الحرب سيما وانها لم تنته كما حدثت مع احداث اختطاف الرئيس الفنزويلي ، وهذا ما يزيد الضغط والقلق  خصوصًا أنها تقول إن هذا يخالف شعار  “لنجعل أمريكا عظيمة”  وهي لا ترى في الحرب وسيلة لتحقيق هذا الشعار، وأنه قدم نفسه بأنه رجل سلام خلال الحملة الانتخابية ، هذه  الأصوات  أيدته  لانها تؤمن  بأن إعادة البناء  من الداخل، لا استنزافه في الخارج ، لكنَّ ترامب خالفها  والحرب كلها استنزاف
ويبقى التساؤل ماذا  سيفعل لترميم هذه الخطوة ؟

السيّد علي الهماشي، كاتب عراقي

السيّد علي الهماشي، كاتب عراقي مواليد بغداد، له كتابات سياسية عديدة في الشان العراقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى