إستراتيجية الولايات المتحدة بممرات الطاقة والتجارة :
تقوم الاستراتيجية الأمريكية على السيطرة على الممرات المائية التي تشكل شرايين الطاقة والتجارة العالمية، من مضيق هرمز وباب المندب في الخليج العربي والبحر الأحمر، إلى مضيق ملقا الذي تعتمد عليه الصين في أكثر من نصف وارداتها النفطية. هذه الممرات ليست مجرد نقاط عبور، بل أدوات قوة تحدد من يتحكم بالتدفقات الاقتصادية العالمية.
فهي لا تكتفي بالسيطرة على المضائق الحيوية مثل هرمز وباب المندب، بل تبني قوتها البحرية على منظومة أوسع تهدف إلى التحكم في سلاسل الإمداد العالمية. فالممرات المائية بالنسبة لواشنطن ليست مجرد نقاط عبور، بل أدوات نفوذ تحدد من يملك القدرة على التأثير في حركة التجارة والطاقة. ولهذا تنتشر البحرية الأمريكية في المحيطين الهندي والهادئ والبحر الأحمر والخليج، ليس فقط لحماية السفن، بل لضمان أن أي دولة—صاعدة كانت أو خصمًا—لا تستطيع بناء نفوذ مستقل عبر هذه الممرات ، ولهذا حذرت مراكز الدراسات من ( الخطر ) الايراني ووجود قوة مناهضة للولايات المتحدة تسيطر على مضيق هرمز .
كما إنَّ واشنطن لا تريد شراكات في الطاقة بصورة ( عادلة ) بل تريد ترسيخ مبدأ انها القوة المسيطرة فهي لا تريد فقط تدفق الطاقة ، بل تريد أن تكون اللاعب الرئيس في معادلة الاستثمار والتسعير، وأن تمنع أي قوة منافسة من استخدام الطاقة كأداة جيوسياسية. من هنا نفهم تصريحات ترامب القديمة والجديدة حول هرمز وخرج ليست انفعالًا سياسيًا، بل تعبيرًا عن عقيدة أمريكية ترى أن حماية الممرات ومنابع الطاقة يجب أن تقابلها مكاسب اقتصادية مباشرة ، ومن يرى سيناريو الحرب يعود الى تحذيرات السيد الخامنئي قبل مدة من استشهاده وهو يحذر من محاولة واشنطن السيطرة فيها على النفط الايراني !.
إستراتيجية الصين العالمية :
على النقيض من الولايات المتحدة التي تبني قوتها على السيطرة العسكرية للممرات المائية، تتحرك الصين وفق رؤية مختلفة تقوم على إعادة تشكيل الجغرافيا الاقتصادية بالقوة الناعمة بدل السيطرة العسكرية المباشرة الصين لا تقدّم نفسها كقوة إمبريالية بديلة، ولا تسعى إلى وراثة الدور الأمريكي في البحار، بل تعمل على بناء شبكة نفوذ تمتد عبر الموانئ، وخطوط النقل البرية، وعقود الطاقة طويلة الأمد، بحيث تصبح جزءً لا يمكن تجاوزه في حركة التجارة العالمية.
مشروع “الحزام والطريق” هو التعبير الأوضح عن هذه الرؤية:
هذا المشروع هو شبكة من الموانئ تمتد من جوادر في باكستان إلى الدقم في عُمان، ومن جيبوتي إلى البحر المتوسط، إضافة إلى خطوط برية تربط الصين بآسيا الوسطى وإيران وتركيا وصولًا إلى أوروبا. هذه الشبكة ليست مجرد مشاريع بنى تحتية، بل محاولة لتقليل اعتماد الصين على الممرات التي تسيطر عليها الولايات المتحدة، ولخلق مسارات بديلة للطاقة والتجارة تجعل بكين أقل عرضة للضغط الأمريكي، وتجعل من الصين مركز التجارة العالمية مستندة الى مجموعة بريكس التي تسهم الصين وحدها بنحو 70% من إجمالي الناتج المحلي الإجمالي للمجموعة. هذا الثقل الاقتصادي جعلها “العمود الفقري” الذي يمنح بريكس قيمتها وتأثيرها في مواجهة مجموعة السبع .
كما أن الصين، بوصفها أكبر مستورد للطاقة في العالم، تعتمد على الخليج العربي في أكثر من 40% من وارداتها النفطية، ولذلك فهي تسعى إلى ضمان استقرار تدفق سلس للطاقة عبر الشراكات الاقتصادية لا عبر القوة العسكرية كما تقول .
كما أن استراتيجيتها خاصة بها ، و لا تصدر نموذجها السياسي و لا تدعي أنها مَثل يمكن الاحتذاء به .
المواجهة الحتمية :
بكين تدرك أن أي مواجهة عسكرية في الخليج ستضعها في مواجهة مباشرة مع واشنطن، وهو ما يتعارض مع عقيدتها القائمة على “الصعود الهادئ” وتجنب الصدام المباشر .
الصين تنتهج النفوذ الاقتصادي الهادئ او ما يعبر عنه بالقوة الناعمة على القوة الصلبة، واسميه (زحف دودة القز ) ببطئ وبنعومة وتعمل على بناء علاقات متوازنة مع جميع الأطراف السعودية ، الامارات، إيران، وتمر بالدولة العبرية إضافة الى العراق وتركيا ولا تطرح نفسها كقوة عسكرية طامحة ولا تريد أنْ تتحول إلى طرف عسكري في أي صراع .
فالصين قوة صاعدة، لكنها ليست قوة صدامية تبني نفوذها عبر الزمن، لا عبر الحرب ، ولديها في ذاكرتها ما يبين مساوئ الحرب سيما تلك التي شنتها بريطانيا عليها في حربها على الافيون في القرن التاسع عشر كما ادعت انذاك وشاركت بعد ذلك فرنسا في الحرب الثانية وفُرضت على الصين معاهدات مذلة انذاك ، وقد تخلصت من فروض هذه المعاهدات بعامل الزمن واستيعاب الهزيمة ، وبناء الذات مرة أُخرى واستطاعت التحرر من القيود البريطانية اثناء الحرب العالمية الثانية في 1943 ثم ألغت ما تبقى من التزامات مع بريطانيا في عام 1949 بعد انتصار الثورة الشيوعية بقيادة ماو تسي يونغ .
لا يمكنني الجزم بأنَّ هذه الذاكرة فيما يتعلق بمعاناتها في معاهدات مذلة على موانئها دفعتها الى
الاقتصاد والموانئ والطاقة كأدوات استراتيجية، دون أن تدخل في مواجهة مفتوحة مع أي دولة سيما
الولايات المتحدة التي تمثل القوة الكبرى في العالم ، وهو ما ينطبق على منطقة الخليج العربي المعقدة في كل شيء .
لكن يبقى التساؤل ماذا ستفعل الصين إنْ تطور سيناريو الحرب على ايران !!؟
ماذا ستفعل الصين في حال الغزو البري للساحل الغربي الإيراني؟
إذا تحوّلت الحرب إلى غزو بري يستهدف الساحل الغربي والجنوبي الإيراني أو مناطق ستراتيجية فيه ستجد الصين نفسها أمام اختبار استراتيجي معقّد، فهي تعلم أن سقوط النظام الإيراني أو إخضاعه او احتلال ابار النفط والسيطرة على هرمز يعني انه:
أولا:-ضرب إحد أهم حلقات “الحزام والطريق” وهو ماحاولت طهران ترسيخه للصين وللولايات المتحدة على حد سواء بأنها اللاعب الدولي و قطب الرحى في هذا المشروع .
ثانياً:- تقليص نفوذها في الخليج العربي ، وربما انتهائه وهي ما زالت في مرحلة التأسيس سيما في المملكة السعودية والامارات وقطر اما مع الكويت فقد الغت الكويت مشروع تطوير ميناء مبارك الذي كان مقررا ان تتكفل به الصين بعد زيارة الامير الذي كان ولياً للعهد في حينها في 22 سبتمبر 2023.
بضغط واضح من الولايات المتحدة ، وتوقفت العلاقات على ماكانت عليه قبل زيارة امير الكويت للصين .
ثالثاً : تهديد أمن الطاقة الصيني بل انها قد تفقد مورداً اخر لها أو سيكون مورداً بشروط جديدة ( قديم جديد).
هذه النقاط تستوعبها بكين جيدا وتعلم أن التدخل العسكري المباشر ولو بمساعدات لوجستية سيضعها في مواجهة مفتوحة مع الولايات المتحدة في مسرح عمليات لا تملك فيه بنية لوجستية أو قواعد أو خبرة قتالية.
هذه السياسية تستند الى دستورها والى بنائها الداخلي والى سيكولوجية سياسية لايمكن تفكيكها بأسطر في هذا الايجاز بل تحتاج الى قراءة عمق حضاري وليس لدولة نشأت في منتصف القرن الماضي !!.
ومن كل هذه المعطيات وغيرها فقد تتجه الصين إلى:
أولا : زيادة الكلفة السياسية على الطرف الغازي كما يعبر عن ذلك في الادبيات السياسية عبر مجلس الأمن ولكنها لا تسمن ولا تغني من جوع اذا ما نظرنا الى حق استخدام الفيتو للولايات المتحدة ، والى تجاوزها للقانون الدولي في كل حربها على ايران واذا ما تغير الواقع الجيوسياسي فإن العالم يتعامل مع الحاضر ولا يعود الى الماضي .
ثانيا : ستحاول زيادة دعم إيران اقتصاديًا لمنع انهيارها دون التورط عسكريًا .
ثالثا : إيجاد مسارات بديلة للطاقة والتجارة بما يسمح له نفوذها ، وهو الامر المرجح .
رابعا : اللعب كوسيط لحماية مصالحها ومنع واشنطن من الانفراد بإعادة تشكيل الخليج سيما انها تمتلك علاقات طبيعية مع دول الخليج وكذلك مع الدولة العبرية.
خلاصة الموقف أنَّ الصين لن تدخل الحرب بأي صورة مباشرة وغير مباشرة لكنها لن تقف متفرجة سياسياً واقتصادياً .
و ستتحرك في المساحات التي تتقنها الاقتصاد، الدبلوماسية، وإعادة تشكيل المسارات.
موقف طهران التي تدرك حدود الموقف الصيني:
طهران تدرك تمامًا أن الصين—رغم صعودها—ليست قوة إنقاذ عسكري، ولا يمكن أن تتحول إلى مظلة حماية في لحظة المواجهة ، رغم ان ايران حاولت جر قدم الصين عسكرياً الى الخليج منذ عقدين من الزمن ، واجرت معها مناورات عسكرية مشتركة ، لكنَّ إيران تدرك أن بكين تتحرك وفق حساباتها الخاصة جداً وضمن المنافذ الاقتصادية الدقيقة، و تبني نفوذها عبر الزمن في علاقات هادئة لا عبر التدخلات العسكرية، كما آنَّ عقيدتها لا تسمح لها بخوض حرب في الخليج دفاعًا عن طرف ثالث، ولا تنشر قوات عسكرية لتمثل تهديداً لدول الخليج العربي .
لهذا لا تراهن طهران على تدخل صيني مباشر، وهي تعلم ذلك وبنت موقفها على
اولا: قدرتها الذاتية وشبكاتها الإقليمية.
ثانيا : ما تبقى من توازنات دولية.
ثالثا : لا ترفض الدعم الاقتصادي والسياسي من الصين، وان كان هناك دعم عسكري معداتي فلا بأس
ولا تطالب باكثر من ذلك .
وفي الختام الصين بالنسبة لإيران شريك استراتيجي طويل الأمد، لكنها ليست حليفًا عسكريًا.
ولهذا تتعامل طهران مع بكين بوصفها قوة داعمة ثانوية ، لا قوة مشاركة في الحرب .