الاحدثدولي

ملاحظات سريعة بشأن وقف إطلاق النار | بقلم علي الهماشي

اتفاق الهدنة يكشف أن الطرفين وصلا إلى حدّ الإعياء في نزالٍ أراد فيه المهاجم أن ينهي المعركة بضربة قاضية، لكن صلابة الدفاع الإيراني وردّه للضربات جعلت المشهد أقرب إلى توازن ردع لا إلى انتصار حاسم.

الضربات المتبادلة شملت كل مناطق الجسد السياسي والعسكري، من الرأس إلى أخمص القدمين، ومع ذلك لم تُسجَّل الضربة التي كان ترامب ونتنياهو يروّجان لها منذ اللحظة الأولى.

الطرف الإيراني أعلن منذ البداية أنه يخوض معركة دفاعية وجودية يراهن فيها على امتصاص الضربات والردّ بما يعادلها يقابله خطاب الاخر الذي تحدث عن “ضربة قاضية” و”استسلام إيراني”، لكن ما شهدناه عملياً هو أن الطرف المهاجم هو من ضغط لوقف إطلاق النار، ملوّحاً بتهديدات قصوى إذا لم تتوقف الهجمات الإيرانية وهذا التحوّل وحده يدل على أن إدارة ترامب ونتنياهو لم تحققا الأهداف التي أعلنا عنها كمبرّر للهجوم.

إعلان وقف إطلاق النار والهدنة المؤقتة ما تزال هشّة في يومها الأول، وهو ما يقلق طهران التي تخوض حرباً جاءت بعد مفاوضات كانت مستمرة. وهذه هي المرة الثانية التي لا يلتزم فيها الرئيس الأمريكي بما تم الاتفاق عليه، الأولى في حرب الاثني عشر يوماً في السنة الماضية، والثانية في هذه الحرب التي لم تنتهِ بعد.

التحوّل اللافت أن ترامب غيّر هدفه المعلن من الحديث عن تغيير النظام بالقوة إلى التركيز على مضيق هرمز، وسلاسة الملاحة في الخليج العربي.

وهذا التحوّل من هدف تغيير النظام إلى التركيز على مضيق هرمز يعيد إلى الواجهة ما كتبناه سابقاً عن الخداع الاستراتيجي: فالهدف البحري لم يكن سبب الحرب، بل غطاءً اضطر ترامب للعودة إليه بعد تعثّر خطته الأصلية.

والمراقب السياسي بل حتى الإنسان الذي ليس له متابعات سياسية يعلم أنّ مضيق هرمز وملاحته لم يكن سبب بدء الحرب على إيران.

وما يمكن قوله إنها محاولة لإعادة تعريف الهدف بعد تعثّر العمليات و ( فشل ) الهدف الرئيس ، ولعلها المرة الأولى التي لم تستطع فيها تغريدات ترامب أن تُحدث خلخلة في موقف الخصم أو في معنويات الميدان فالسياسة تسمح بالمناورة، لكن الحرب لا تمنح قائدها إلا هامشاً ضيقاً جداً، والجنرالات ينظرون إلى ثباته وصورته، وهذا ما أخفق فيه ترامب، خصوصاً مع تغييره لقيادات عسكرية ذات خبرة طويلة وسجلّ خالٍ من الإخفاقات، وهو أمر غير مألوف للجيش الأمريكي بصورة خاصة ولا للشعب الأمريكي بصورة عامة.

أما الهدنة المؤقتة، فقد قدّم الطرفان خطوة إلى الأمام:
أولاً: طهران قبلت بوقف مؤقت رغم إصرارها السابق على وقف دائم وشامل.
ثانياً: واشنطن قبلت بالتفاوض على الشروط الإيرانية أو قبلت بالنقاط الايرانية كمادة للتفاوض ان جاز التعبير ، ولم تعد تتحدث عن “استسلام” كما روّجت في بداية الحرب.

الموقف الآن:
الموقف ما يزال غامضاً فلا حمائم في المشهد و الصقور وحدهم يتحركون.
الدبلوماسية ما تزال ثانوية لأنها مرهونة بقرار عسكري في طهران وواشنطن وهو ما يمكن استنتاجه بأنَّ الهدنة قلقة، وقد تبقى كذلك إلى أن تُنتزع مبررات الحرب وتُبنى تسوية شاملة.

موقف الاطراف المتضررة :
هناك أطراف متضررة من الهدنة وتحولها إلى اتفاق نهائي، أبرزهم نتنياهو وبعض دول الخليج التي خسرت الكثير في هذه الحرب. والسؤال الأهم: هل سيتمكن ترامب من لجم نتنياهو وضبطه، أم سيستسلم لمغامراته كما فعل عند بدء الحرب دون دراسة آثارها على صورة الولايات المتحدة كقوة كبرى وراعية للنظام العالمي؟ فهذه الحرب زعزعت تلك الصورة بشكل واضح.

هل سيبقى نهج القوة تفرض السلام ؟
ترامب الذي كان يلوّح بقبضته ليفرض السلام بالقوة، بدأ الآن يخفف قبضته ويفتحها لتحيةٍ لا لضربة. ومع ذلك، ما زلت أشك في أنه سيلتزم بالهدنة ويمضي إلى اتفاق شامل. لكنه أيضاً لن يغامر بموقعه في الذاكرة السياسية الأمريكية، وهو الذي يسعى إلى تقديم نفسه منقذاً للمواطن الأمريكي من “مؤسسة” يقول إنها خدعته لعقود، بينما يسير اليوم على نهجها نفسه، مما ولّد خيبة لدى جمهوره. وهذه الخيبة قد تكون الرادع الحقيقي أمام اندفاعه نحو حرب جديدة أو استمرار التصعيد.

السيّد علي الهماشي، كاتب عراقي

السيّد علي الهماشي، كاتب عراقي مواليد بغداد، له كتابات سياسية عديدة في الشان العراقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى