الاحدثالشرق الاوسط

السياسي وكتاب شمس المعارف .. | بقلم علي الهماشي

ظهور شمس المعارف في القرن السادس–السابع الهجري لم يكن حدثاً معزولاً، بل كان نتاجاً لبيئة مضطربة سياسياً وروحياً ومعرفياً.

كانت الدولة الموحدية في المغرب، والدولة الأيوبية في مصر، والخلافة العباسية في بغداد تعيش توتراً داخلياً، وصراعات على السلطة، وتهديدات خارجية.

هذا الاضطراب في مرافق الحياة أدى الى تراجع المدارس العقلية وصعود التصوّف الشعبي الذي امتلأ بالكرامات والأحجبة والأوفاق*والطلاسم.

في هذه البيئة، لم يعُد الإنسان يبحث عن المعرفة العقلية، بل عن قوة خفية تمنحه السيطرة على المجهول، أو شيئاً من الطمأنينة والاستقرار، ويمكننا القول إنَّ تأليف كتاب مثل شمس المعارف لم يكُن عملاً علمياً بل استجابة نفسية‑اجتماعية لزمن فقدت فيه المؤسسات قوتها، وفقد العقل يقينه، ودب القلق في أوساط المجتمعات التي ذكرتها أعلاه وكان الخوف من المستقبل هو سيد المشهد.

كان السحر في تلك المرحلة لغة بديلة للسيطرة، ووسيلة لتعويض الضعف، ومحاولة لخلق علاقة مع “العالم الخفي” تمنح الإنسان شعوراً بالقوة في عالم لا يمكن التنبؤ به.

2003، دخل العراق في مرحلة تشبه — بشكل مذهل — البيئة التي ظهر فيها شمس المعارف.

فقد صعدت إلى السلطة شخصيات جاءت بالصدفة، أو بالمحاصصة، أو بالفراغ السياسي، لا عبر مسار مؤسسي أو خبرة سياسية.

هذا النوع من الصعود تصاحبه عادة هشاشة داخلية لدى السياسي وهو لا يؤمن بنفسه لأنه يرى الصدفة وفرت له هذه الفرصة مع أنه يعيش هساشة في الإيمان بمعناه العميق ( الثقة بالله التي تولد السكينة، وتؤسس لمرجعية اخلاقية ).

ومع غياب الاستقرار السياسي، وتقلّب التحالفات، وانتشار ثقافة المؤامرة، وتهديدات الداخل والخارج، نراه يعيش في بيئة خوف دائم، وقلق مما هو قادم.

في مثل هذه الأجواء، لا يلجأ السياسي إلى القانون أو المؤسسات، بل إلى العراف، الروحاني، قارئ الطالع أو الفنجان، مفسر الاحلام، والمطلع أو من يملك كتاب شمس المعارف ليمنحه الطلسم !!.

ومن البديهي إنَّ ما ذكرته لا تملك القوة ولا تنهي القلق لدى السياسي الذي يعيش الخواء الروحي والفكري وإنْ أضفت شعوراً وقتياً بالراحة.

لقد وجد السياسي أداةً نفسية لتعويض الفراغ الداخلي من خلال الشعوذة بمسمياتها وأنواعها وهي لن تكون إطلاقاً طريقاً لمعرفة الغيب !.

مقارنة بين بيئتين :

عندما نقارن بين البيئتين، نكتشف أن عودة شمس المعارف في الوعي السياسي العراقي ليست صدفة، بل نتيجة تشابه بنيوي بين زمنين، حيث كان القرن السادس الهجري مشهداً للصراعات الداخلية صراعات داخلية وتهديدات خارجية بحروب صليبية، وهجوم المغول من الشرق.

ولا يخفى علينا الوضع الحالي حيث الانقسامات السياسية، تدخلات خارجية، بالاضافة الى مؤسسات هشة بالقائمين عليها.

في زمن البوني مؤلف كتاب شمس المعارف : أمراء يتصارعون على الحكم. ويبدو انَّ الوضع في العراق حالياً مشابه لذلك .

في القرن السادس الهجري كان خوف من السقوط، من الغزو، من الانقلابات
و اليوم في القرن الواحد والعشرين الميلادي خوف من الإقصاء، من التسريبات، من المؤامرات، ومن الفيتو الخارجي !!!.

بحث الامراء في الماضي عن قوة غير مرئية من خلال الطلاسم، الأوفاق،و استحضار الجن واليوم يستعين بعضهم ب ” الروحاني”، “الخبير”، “الطاقة”، وعودة شمس المعارف.

وفي الحالتين لم يكن السحر معرفة بل في كل الأحوال هو في الحالتين تعويض عن ضعف الإنسان، لايهام النفس بالقدرة على السيطرة او سيطرة ما لا يمكن السيطرة عليه، ولخلق يقين في عالم بلا يقين.

إنَّ عودة شمس المعارف في الوعي السياسي العراقي ليست عودة لكتاب، بل عودة لبيئة نفسية‑سياسية تشبه البيئة التي أنتجته أول مرة: بيئة هشاشة، خوف، اضطراب، وغياب الروح الايمانية التي تعطي الصلابة الداخلية.

وحين يضعف الداخل، يبحث الإنسان عن قوة خارج الواقع، ولو كانت وهماً.

عودة شمس المعارف في الوعي السياسي العراقي ليست عودة لكتاب، بل عودة لبيئة نفسية‑سياسية تشبه البيئة التي أنتجته أول مرة تختلف المسميات لكن الموضوع واحد.

* الأوفاق (جمع وِفْق) هي مربعات سحرية تُكتب فيها أرقام أو حروف بطريقة معيّنة بحيث يكون مجموع الأرقام في كل صف وعمود وقطر متساوياً حسب المطلعين على ما جاء في كتاب شمس المعارف.

السيّد علي الهماشي، كاتب عراقي

السيّد علي الهماشي، كاتب عراقي مواليد بغداد، له كتابات سياسية عديدة في الشان العراقي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى