الاحدثالملف العربي الصيني

قمة الـ10 تريليونات دولار.. ترامب يهبط في بكين ومعه وول ستريت ووادي السيليكون | بقلم فاطمة مقني

في مساء اليوم، وصل الرئيس الأمريكي دونالد ترامب إلى العاصمة الصينية في زيارة دولة تستمر حتى بعد ظهر الجمعة 15 مايو، هي الأولى له منذ 2017 والأولى في ولايته الثانية. جدول الزيارة الرسمي يبدو تقليديا: استقبال رسمي، جولة في معبد السماء، مأدبة دولة مساء الخميس، ثم لقاء ثنائي وغداء عمل مع الرئيس شي جين بينغ يوم الجمعة قبل المغادرة.
لكن خلف البروتوكول، تحمل الطائرة الرئاسية وفدا غير مسبوق من أكثر من 12 رئيسا تنفيذيا لأكبر الشركات الأمريكية، من تيسلا وأبل وإنفيديا وكوالكوم إلى بلاك روك وغولدمان ساكس وبلاكستون وسيتي وبوينغ وميتا. البيت الأبيض يقول إن الهدف هو “فتح الأسواق الصينية”، لكن الوثائق التحضيرية تكشف أجندة أعمق بكثير.
أولاً: الطاقة والطيران والزراعة.. الصفقات الفورية
بحسب جدول القمة، وضعت واشنطن وبكين ثلاث ملفات على رأس الطاولة: الطيران، والزراعة، والطاقة. أمريكا تريد عقود شراء صينية ضخمة لطائرات بوينغ، وشحنات غاز طبيعي مسال أمريكي استؤنفت للتو بعد توقف دام عاما، ومشتريات زراعية تعوض المزارعين الأمريكيين عن خسائر الرسوم. الصين تريد بالمقابل تمديد هدنة الرسوم الجمركية وتخفيف القيود على صادراتها.
ثانياً: الرقائق مقابل المعادن.. قلب الحرب التكنولوجية
المسؤولون الأمريكيون أكدوا أن ترامب وشي سيناقشان الذكاء الاصطناعي والأسلحة النووية وتمديد اتفاق المعادن الحرجة. في باريس قبل أيام، أنهى المفاوضون الاقتصاديون محادثات حول صادرات الأتربة النادرة الصينية مقابل سماح أمريكي محدود ببيع رقائق متقدمة. إنفيديا وكوالكوم وميكرون حضرت إلى بكين ليس للسياحة، بل لتأمين استثناءات تحفظ حصتها في أكبر سوق أشباه موصلات في العالم.
ثالثاً: إيران وتايوان.. المقايضة الجيوسياسية
الزيارة نفسها تأجلت من مارس بسبب حرب إيران، وهذا الملف سيكون حاضرا بقوة. واشنطن تريد من بكين، الشريك الأقرب لطهران، كبح مشتريات النفط الإيراني وعدم ملء فراغ العقوبات. في المقابل، تضع الصين تايوان على رأس أولوياتها، وتحذر من أي دعم أمريكي للاستقلال. مصادر المجلس الأمريكي للعلاقات الخارجية تقول إن التوترات حول التجارة وتايوان وحرب إيران والذكاء الاصطناعي ستخيم على المحادثات.
رابعاً: مجلس التجارة الجديد.. هندسة العلاقة لما بعد ترامب

البيت الأبيض أعلن أن الزعيمين سيبحثان إنشاء “مجلس تجارة” ثنائي دائم لإبقاء الحوار الاقتصادي مفتوحا. الفكرة ليست دبلوماسية فقط، بل آلية تسمح لوول ستريت بإدارة المنافسة مع الصين بعيدا عن تغريدات الرسوم. حضور لاري فينك وديفيد سولومون وستيفن شوارزمان يشير إلى أن من يصيغ القواعد الجديدة ليسوا الدبلوماسيين وحدهم.
خامساً: الصورة السياسية
هذه أول زيارة رئاسية أمريكية للصين منذ نحو تسع سنوات، وتأتي بعد لقاء ترامب وشي الأخير في كوريا الجنوبية في أكتوبر 2023. ترامب يعود إلى بكين بصفة “صانع الصفقات”، ومعه ابنه إريك في ظهور علني نادر، في وقت تحتاج فيه إدارته إلى إنجاز اقتصادي ملموس قبل انتخابات التجديد النصفي.
ما يبدو في الكاميرات مأدبة دولة في قاعة الشعب الكبرى، هو في الواقع قمة بقيمة 10 تريليونات دولار. ترامب لا يسعى فقط لاتفاق تجاري، بل لإعادة رسم معادلة الطاقة والتكنولوجيا والأمن: غاز أمريكي وطائرات مقابل معادن نادرة وهدوء في مضيق تايوان والخليج. الأهداف الخفية لم تعد خفية، هي مكتوبة في قائمة الركاب على طائرته.

فاطمة مقني، صحفية وإعلامية تونسية

فاطمة مقني صحفية وإعلامية تونسية متخصصة في الاتصال البيئة وملفات الطاقة والطاقات المتجددة، إضافة إلى الصحافة الاستقصائية وبرامج الشأن العام على المستويين الوطني والدولي. حاصلة على الإجازة في سياسات السوق من كلية العلوم الاقتصادية والتصرف بصفاقس، وتعمل في مؤسسة الإذاعة التونسية-إذاعة صفاقس حيث راكمت خبرة ميدانية وإعلامية عميقة في إنتاج وتقديم المضامين الإذاعية ذات البعد التنموي والمجتمعي. تركز في عملها على ربط الإعلام بقضايا البيئة والطاقة، مع إبراز دور الإعلام العمومي في خدمة المصلحة العامة وتقديم محتوى مسؤول يساهم في رفع الوعي وتحفيز الحوار المجتمعي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى