الاحدثطاقة و بيئة

مضيق هرمز : قضية اقتصادية آسيوية | بقلم د. محمد زريق

على مدى عقود، كان مضيق هرمز ممراً ضيقاً ذا تأثير كبير. وكلما دخل في حالة توتر، يتذكر العالم أن أمن الطاقة ليس مجرد بناء سياسي نظري، بل واقع يومي ينعكس على اقتصادات آسيا ومصانعها وأسعارها. بالنسبة إلى الصين واليابان وكوريا الجنوبية والهند وجنوب شرق آسيا، كان الأمر دائماً أكثر من مجرد مشكلة شرق أوسطية. إنها قضية اقتصادية آسيوية.
ولهذا السبب، لا ينبغي أن نفسر التوترات الخليجية الأخيرة فقط من منظور القوات البحرية والعقوبات والردع. بل إن القضية تتعلق بما إذا كانت آسيا تستطيع الاعتماد على نظام أمني تكون فيه إمدادات النفط عرضة للاضطرابات السياسية، بينما يمتلك أكبر منتجي ومستهلكي الطاقة في العالم نفوذاً محدوداً على التصعيد.
وبالنسبة إلى الصين ودول الخليج، ينبغي أن يكون هناك اتفاق طاقة أكثر طموحاً: اتفاق يحافظ على استقرار تجارة النفط، لكنه يعيد في نهاية المطاف تركيز التعاون نحو الطاقة المتجددة، والتخزين، والمركبات الكهربائية، والتوطين الصناعي، والتمويل الأخضر.
الصين والعالم العربي مستعدان لمثل هذا التحول. ففي عام 2024، بلغت التجارة الصينية العربية 407.4 مليارات دولار أميركي، ما جعل الصين أكبر شريك تجاري للعالم العربي. وفي العام الماضي، وصلت تجارة الصين مع دول جامعة الدول العربية إلى مستوى قياسي بلغ 241.6 مليار دولار أميركي خلال الأشهر السبعة الأولى. ولم تعد العلاقات الصينية العربية قائمة فقط على النفط، بل أصبحت تشمل أيضاً البنية التحتية، وتكنولوجيا المعلومات، والموانئ والخدمات اللوجستية، والتصنيع، وحتى الطاقة الخضراء.
ولدى دول الخليج حافز لتسريع هذا التحول. فالسعودية والإمارات العربية المتحدة وغيرهما تسعى إلى تنويع اقتصاداتها بعيداً عن النفط، وجذب الصناعات التكنولوجية المتقدمة، ووضع نفسها في موقع يؤهلها لمستقبل لم يعد النفط والغاز يشكلان فيه أساس التنمية الوطنية.
تُعدّ الصين لاعباً رئيسياً في الألواح الشمسية، والبطاريات، والمركبات الكهربائية، وتقنيات الشبكات الكهربائية. وتقدّر وكالة الطاقة الدولية الإنفاق العالمي على توليد الكهرباء بنحو 1.5 تريليون دولار أميركي العام الماضي، أي أعلى بنحو 50 في المئة من الاستثمار في إمدادات النفط والغاز الطبيعي والفحم مجتمعة. وهذا يمثل تحولاً في موازين القوة في قطاع الطاقة العالمي.
هل يمكن لحرب الشرق الأوسط أن تعزز الطموحات العالمية للصين في مجال المركبات الكهربائية؟
بالنسبة إلى الصين، لا تتمثل الخلاصة في أنها يجب أن تحل محل الولايات المتحدة بوصفها الجهة الدفاعية الراعية للخليج. فهذا سيكون مكلفاً وخطيراً ومخالفاً لتركيز الصين على الانخراط الاقتصادي. بل ينبغي للصين أن تساعد في تقليل أهمية نقطة الاختناق هذه. فكل منظومة ألواح شمسية، ومصنع بطاريات، ومشروع هيدروجين، وشبكة كهرباء ذكية، وسلسلة توريد للمركبات الكهربائية يتم إنشاؤها بين الصين والخليج، تساعد في تقليل الأهمية الاستراتيجية لطرق النفط.
هذا لا يعني أن النفط سيُزال من العلاقات الصينية الخليجية. فهو سيظل حاسماً لعقود. لكن الأهمية السياسية لعلاقات الطاقة يمكن أن تتطور. فالشراكة القائمة على واردات النفط يمكن أن تكون هشة. أما العلاقة المبنية على النفط والطاقة المتجددة والمناطق الصناعية ونقل التكنولوجيا وربط الموانئ والوظائف المحلية، فهي أكثر استقراراً. وهي تمنح دول الخليج حضوراً أكبر في صناعات المستقبل، وتمنح الصين وصولاً أوسع إلى أسواق وشركاء المستقبل.
وينبغي النظر إلى اتفاقية التجارة الحرة التي يجري الحديث عنها كثيراً بين الصين ومجلس التعاون الخليجي، والتي تخضع للتفاوض منذ عام 2004، من هذا المنظور. فقد حثّت الصين مؤخراً دول الخليج على استكمال الاتفاقية وسط التحديات التي تواجه التجارة الحرة في عالم يزداد نزوعاً إلى الحمائية. وإلى جانب إزالة الرسوم الجمركية، ينبغي أن تكون الاتفاقية نقطة انطلاق إلى المرحلة التالية من التعاون الصيني الخليجي، مع بنود واضحة تتعلق بالطاقة المتجددة، والتجارة الرقمية، والمعايير الخضراء، وحماية الاستثمار، والتوطين الصناعي، وأمن سلاسل التوريد.
وهنا يمكن لهونغ كونغ أن تؤدي دوراً. فبصفتها المركز المالي الأكثر دولية في الصين، تستطيع هونغ كونغ ربط التمويل الخليجي بالمشاريع الخضراء في آسيا. وتسعى صناديق الثروة السيادية الخليجية إلى استثمارات طويلة الأجل خارج النفط والغاز. وتحتاج الشركات الصينية إلى رأس المال، واليقين القانوني، ومنصات النمو. ويمكن لهونغ كونغ أن توفر منصة للسندات الخضراء، وتمويل البنية التحتية، وتسوية النزاعات، وغيرها من الخدمات الداعمة للشراكات بين الصين والشرق الأوسط. وهذا من شأنه أن يمنح المدينة دوراً في أحد أهم الممرات الاقتصادية في عشرينيات هذا القرن.
التحدي يكمن في اللغة السياسية. فالنقاشات المتعلقة بالشرق الأوسط غالباً ما تُصاغ على أنها مواجهة بين الولايات المتحدة والصين. لكن دول الخليج لا تريد أن تعتمد على دولة واحدة بدلاً من أخرى. إنها تريد مرونة استراتيجية. وعلى الصين أن تدرك ذلك. فقوتها في المنطقة لا تتعلق بدفع الدول إلى اختيار جانب معين، بل تأتي من تقديم مهارات التنمية، والخبرة في البنية التحتية، والمعرفة التصنيعية، والخطاب الدبلوماسي الذي يؤكد على السيادة.
ولهذا السبب، لا ينبغي للصين أن تبالغ في التمدد. فالصين لا تستطيع حل جميع مشاكل الشرق الأوسط، ولا ينبغي لها أن تتحمل أكثر مما تستطيع تقديمه. لكنها تستطيع المساعدة في خفض التصعيد، وتعزيز التكامل الاقتصادي، والمساهمة في بدائل طاقة قابلة للتطبيق. وقد أظهر اتفاق السلام بين السعودية وإيران بوساطة صينية قدرة بكين على المساعدة عندما يكون اللاعبون منفتحين على الحوار. والخطوة التالية ليست دبلوماسية استعراضية في كل مكان، بل بناء مؤسسات هادئ في مجالات التجارة والطاقة والتنمية.
وسيظل مضيق هرمز نقطة اختناق حاسمة. فلا يوجد شعار يمكنه تغيير الجغرافيا. لكن السياسات تستطيع تغيير الهشاشة. وإذا تعاملت الصين ودول الخليج مع اللحظة الحالية بوصفها فرصة للحديث فقط عن أمن النفط، فإنها ستكون قد أخطأت جوهر القضية. أما إذا استخدمتها لدفع علاقة استراتيجية في مجالي الطاقة والصناعة، فيمكنها تحويل الهشاشة إلى نقطة انطلاق نحو الاستدامة.
ولهذا تداعيات عميقة على آسيا. فأمن الطاقة لن يتحدد فقط بمن يمتلك القوة البحرية. بل سيتحدد أيضاً بمن يطور التقنيات، ويمول المشاريع، ويضع قواعد التجارة في عالم ما بعد النفط. وتمتلك الصين والخليج الموارد والأسواق والمصالح الاستراتيجية لبناء ذلك. وينبغي أن يكون مضيق هرمز تذكيراً بضرورة بناء نظام طاقة جديد قبل وقوع الأزمة المقبلة.
نشر المقال بالإنجليزية في South China Morning Post بتاريخ ٦ أيّار ٢٠٢٦

د. محمد زريق

الدكتور محمد زريق وهو دكتور في العلاقات الدولية وباحث في حامعة صن يات صن، يدرس السياسة الخارجية الصينية ومبادرة الحزام والطريق وقضايا شرق أوسطية والعلاقات الصينية-العربية. له العديد من الدراسات المنشورة في مجلات رفيعة المستوى وصحف عالمية. كما كما أصدر العديد من الأبحاث حول العلاقات العربية الصينية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى