كش …!!! | بقلم علي الهماشي

ليس “الكش” مجرد مفردة شعبية تُقال في لحظة انزعاج أو إزاحة، بل اراه مفهوماً سياسياً–نفسياً يشير إلى خوف عميق من فقدان الموقع، وتكشف الهشاشة، وتعرّي الفاعل السياسي من أي سند حقيقي. إنه الشعور الملازم لكل من دخل السياسة صدفة، أو بلا مشروع عام يحميه، فتتحول “الكش” من مفردة عابرة إلى تهديد دائم.
و الصعود السريع أقربَ طريقٍ إلى “الكش”، فكلما ارتفع السياسي بلا جذور، ازداد خوفه من السقوط، وتلاحقه ( الكش ) فتتحول من هاجس الى مرضٍ سياسي خوفاً من الازاحة، ولا شك إنَّ من يعيش مثل هذه الهواجس يقع فيها.
الكش تُقلق كلَّ من يدخل عالم السياسة بالصدفة، وتربك كلَّ من لا يحمل مشروعاً عاماً، إسلامياً كان أو غير إسلامي،فهو يعيش اللحظة ويحاول تغليف الذات بأوهام تحميه من الشعور بملاحقة الكش.
ولهذا تنمو أوهام الحضور الفعّال مقابل ( الكش )، ثم الحضور الدائم، ثم حلم الخلود.
وفي الدول التي يكون فيها النظام السياسي قيد التكوين، ويلازمه غياب الاستقرار الأمني والاقتصادي، يعيش الجميع تحت هواجس مختلفة. ويبدو أن العراق هو المثال الأوضح لهذه الحالة، البلد الذي لم يكن الاستقرار يوماً طبيعته.
والخطورة لا تكمن في وجود الهواجس لدى طبقات المجتمع، فهذا طبيعي في مسارات الدول، بل في أن بعض السياسيين لا يؤمنون بالإطار السياسي وهم جزء منه، أو لا يعون معنى وجود إطار سياسي حاكم جامع، وما إن يتسلّم أحدهم السلطة حتى يبدأ بإجراءات تمرد: بعضها علني محاكاةً لشريحة معينة معروفة، وبعضها سري بحثاً عن قوة تحميه من “الكش”.
ويتناسى أن السنوات الأربع ليست أربعاً؛ فهي أقل من ذلك بكثير:
السنة الأولى لترتيب حكومته، والسنة الأخيرة لترتيب وضعه الانتخابي.
ثم تبدأ المعاناة بعد الانتخابات: تتوالى التنازلات، يتلاشى الانتفاخ، وتعود “الكش” تطارده، فيبدأ بالتباكي على ملك الري… الذي لم يكن ملكاً أصلاً.




