الدعوة إلى السلام في ظل استمرار الحرب: رؤية استراتيجية تتجاوز ساحة القتال | بقلم م. جبريل حسن أحمد

الوقائع التاريخية واللحظات المفصلية لم تكن يومًا عنصرًا ثانويًا في توصيف القيادة الفنية، بل إن قدرة القائد الاستثنائي على اختيار التوقيت اللحظي للمؤشرات التي تؤكد السرديات، تمثل جهدًا كبيرًا غير معزول عن فاصلة تاريخية فارقة تؤكد قدرة القائد على قراءة الواقع العسكري الذي يترافق مع مسار بناء مؤسسات الدولة. وهو الأمر الذي فرض تنوعًا مطلوبًا ارتبط بالتفوق العسكري في جبهات القتال، وبالقدرة على تثبيت النفوذ مع شرح الواقع غير المنظور.
وهنا تظهر قدرة القائد الاستثنائية في تكامل القدرة على الحسم العسكري، والقدرة على بناء الأثر السياسي الذي يصنع تحولًا تاريخيًا في ظل تحديات بناء الدولة التأسيسية على أنقاض دولة المركز، قاهرًا بذلك مشروع دولة الإسلام السياسي في واحدة من أروع ملاحم التاريخ الحديث من حيث سرعة التقديرات، والمرونة في التعامل مع متغيرات دولية وإقليمية، ومصارعة خصم لزج ومتزحلق فوق تيارات متعددة، وفي ظل تعدد مراكز النفوذ والقرار.
لذا نجد أن هذه العوامل والسمات ساهمت في بناء الثقة وتعزيز الإرادة والروح المعنوية، بالتأكيد على مشروعية الأهداف النبيلة كثوابت أنتجت تحولًا كاملًا جمع بين الحزم والإنسانية، وأسست إطارًا قيميًا حدد معنى القتال وغايته وحدوده.
عن شخصية القائد الفريق أول محمد حمدان دقلو أتحدث؛ فبصمته تظهر عند اشتداد الشدائد، وصبره يتجلى عندما تتجاوز تقديرات المشهد المألوف، ليبرز الفارق الفطري للذهنية العميقة التي يتمتع بها في وزن الأمور.
رجل تجاوز حدود الدهشة والمعقول في تعريف الهوية السودانوية سلوكًا ونمط حياة.
رجل نبذ العنصرية والجهوية، واتصف بالعدل والإنصاف، والتصقت شخصيته بنقاء القلب وصفاء السريرة.
رجل تجاوز كل الحدود السياسية والجغرافية في فهم الأزمة الوطنية وتوصيفاتها، ودعا إلى تأسيس عهد جديد، وبكلمة صغيرة منه عالج أزمانًا من القطيعة وسوء المفاهيم والتقديرات بينه وبين الحركة الشعبية، وتجاوز عقبات العلمانية في مفهوم الحركة الإسلامية لطبيعة الدولة، ووقف بقلب نابض وسليم يدعو إلى سودان جديد.
لم يبنِ شخصيته فقط، بل قدم عوامل عديدة جعلت من شخصيته الضمانة الوحيدة التي ترتكز عليها عملية التغيير.
فهو القاسم المشترك، والقيادة الفنية الحكيمة، والأب الروحي الملهم لتأسيس الدولة السودانية الجديدة.
وهو على موعد مع التاريخ الحديث القريب الذي لم يألف مثل شخصيته القيادية المعطونة ببداوة الأصل الضاربة بالجذور.
رجل إذا تكلم أوجز وأفاد، وإذا وعد صدق وأوفى، وإذا أفتى أجاد وكفى.
النبل صفته، والصبر ميزته الفطرية.
وهو الميزان الرقمي الحديث لتأسيس وبناء الدولة السودانية الجديدة، فهو مشروع ضخم ستحتفي به أفريقيا قريبًا؛ فمن ركام الحرب إلى فضاء السلام والازدهار، ومسيرة عظيمة لرجل ستقتفي أثره الشعوب.
وسيكتب التاريخ أنه ظل يدعو إلى السلام حتى حققه.
بعد أن انتظر السودانيون سبعين عامًا من المحاولات التي أثبتت أن معادلة «الحرب بلا أفق للسلام» هي خدعة سياسية. وكل هدنة عبارة عن استراحة محارب للنظام القديم، وكل تفاوض كان محاولة لإعادة إنتاج دولة المركز بواجهة جديدة.
واليوم يقف تحالف تأسيس ليقول الحقيقة المزعجة: لا سلام دون هزيمة مشروع الحرب وتيارات نخب المركز.
لأن من يتحدثون عن «وقف الحرب أولًا» هم أنفسهم من أشعلوها وأداروها من الخرطوم. لا مصلحة لهم في تفكيك بنية الدولة التي تمنحهم الاحتكار والثروة والسلطة.
لذلك تحول التفاوض إلى مسرحية: تنازل لفظي مقابل بقاء فعلي. والنتيجة؟ إغاثة تُمنع، ومدن تُباد، ومؤسسات تُنهب.
اختارت «تأسيس» كسر هذه الدائرة. لا تفاوض على تقاسم السلطة داخل بيت محترق، واختارت أن تبني بيتًا جديدًا أولًا، ثم تتفاوض على قوانينه.
لأن الحرب وسيلة وليست غاية.
نعم، نخوض الحرب، لكنها ليست عبادة للعنف، بل هي شرط قاسٍ لإزالة العقبة التي تعطل كل حديث عن الدولة والمواطنة والعدالة.
العقبة اسمها «الجيش القديم والنظام القديم» ككتلة واحدة. ومن يرفض الاعتراف بهذه الحقيقة يخادع نفسه والناس.
وهنا يأتي دور القيادة الفنية العظيمة. فلا يمكن تجاوز الدور المحوري للفريق أول محمد حمدان دقلو في ربط المجهود العسكري بمسار التأسيس السياسي. فهو أحد الضامنين لتنفيذ رؤية «السلام عبر الحرب». والفرق بيننا وبينكم أننا نقاتل لنوقف الحرب إلى الأبد، وأنتم تقاتلون لتعيدوا إنتاجها باسم جديد.
فكل شبر محرر يساوي مشروع دولة، وهو ما يميز مقاربة «تأسيس»، إذ إن التقدم العسكري لا ينتهي بعرض عسكري فقط، بل إن كل مدينة تُحرر تُفتح فيها إدارة مدنية، ومستشفى، وسوق، ومدرسة.
هذا هو الرد العملي على احتكار المركز: دولة تبدأ من تحت، لا تُمنح من فوق.
ولكل من يراهنون على فشل «تأسيس» نقول: جربتم سبعين سنة في الفشل، فجربوا معنا ثلاث سنوات في البناء.
الخيار الآن ليس بين الحرب والسلام، بل بين سلام يُبنى على أنقاض دولة الإقصاء، وسلام كاذب يعيدنا إلى النقطة نفسها.
إن نجحنا، كسرنا دورة الانقلابات إلى الأبد، وإن فشلنا، فعلى الأقل سنموت ونحن نحاول، لا ونحن نبرر.
فالتاريخ لا يذكر من انتظر، بل من حسم وانتصر.


