التمن والقيمة… لغة دبلوماسية | بقلم علي الهماشي

نشرت وسائل الإعلام العراقية وغيرها صورةً للسفير الأسترالي في بغداد، وهو يرتدي قميصًا أسود (تي شيرت) ويتناول التمن والقيمة العراقية، وهي الأكلة التي ارتبطت بمراسم عاشوراء. ولا أدري سر هذا الارتباط، لكننا ألفنا هذه الظاهرة بعد أن ورثناها عن الآباء والأجداد.
ولهذه الأكلة سرٌّ غريب؛ فهي مزيج من المكونات يُطهى بعناية ويستغرق إعدادها وقتًا طويلًا. وبالتأكيد لم يكن هذا سبب ارتباطها بالذاكرة الجمعية، وإنما يعود ذلك إلى روح التعاون الجماعي في تحضيرها، ثم توزيعها طلبًا للثواب، لتلتقي بقيم تقديم العزاء في هذه المناسبة، وتعبر عن الكرم، وتبعث روح التكافل بين أفراد المجتمع. وقد أصبحت ظاهرةً وهويةً، لذلك نرى تسابق الكثيرين للمشاركة في إعداد هذا الطعام وتقديمه، أو في فعاليات أخرى، منها تقديم الماء أو المشروبات التي تروي عطش المشاركين في عزاء من قُتل عطشانًا في كربلاء.
وعمومًا، تمنح هذه المظاهر انطباعًا بأن البيئة الاجتماعية منسجمة، وتعيش حالةً من الحب لرجل قدّم نفسه لإحياء قيم الإسلام، ورفض الظلم بجميع أشكاله.
نعود إلى ما قام به السفير الأسترالي، السيد غلين مايلز؛ فهو لم يكن أول السفراء الذين استخدموا الدبلوماسية الناعمة لإيصال رسالة مفادها أنه يفهم طبيعة المجتمع العراقي ويتفاعل معه بطريقته الخاصة، وإن اقتصر الأمر على نشر صورة تُظهر محاولته تناول التمن والقيمة، وربما حضوره مأتمًا أو مجلسًا حسينيًا كما فعل غيره. لكن هذه المحاولة لن تكون الأخيرة.




