تشكيلة الـ 18 طائفة: لماذا لا يصل لبنان إلى كأس العالم؟ | بقلم د. خطّار حاطوم

كل أربع سنوات، يتوحد العالم العربي أمام شاشات التلفزيون. من القاهرة إلى الدار البيضاء، يلتحف المشجعون بأعلامهم الوطنية، ويعيشون على أعصابهم مع كل ركلة كرة في كأس العالم.
ثم.. يأتي لبنان.
بينما تضخ الدول المجاورة الملايين في منتخباتها، يكتفي الجمهور اللبناني بالمشاهدة من المدرجات الخلفية، متسائلاً بمرارة: لماذا يعجز بلد مليء بالمواهب الخام عن التأهل أبداً؟ إذا سألت خبيراً في الشأن الكروي, سيخبرك أن المشكلة ليست في الميزانية، وليست في غياب العشب الأخضر عن الملاعب. المشكلة تكمن في الحسابات المعقدة والمضحكة المبكية للنسيج الاجتماعي اللبناني.
في لبنان، أنت لا تبني فريقاً بناءً على من يملك أفضل قدم يمنى.. أنت تبنيه تماماً بذهنية المحاصصة والتوازنات الطائفية التي تدار بها الأمور في البلاد.
“الكوتا” داخل المستطيل الأخضر
لفهم كرة القدم اللبنانية، عليك أولاً فهم النظام الذي تُقسّم فيه الحصص بدقة متناهية بين الطوائف الرسمية المعترف بها. وطبيعي جداً أن تنتقل هذه “الطاقة” بحذافيرها إلى التشكيلة الأساسية على أرض الملعب.
تخيل مدرباً يجلس في غرفة تبديل الملابس قبل مباراة مصيرية في تصفيات كأس العالم. أمامه اللوحة التكتيكية، لكن بدلاً من رسم خطة (4-3-3)، تجده يجري حسابات ديموغرافية وجدول توزيع طائفي:
“شباب، الخطة التكتيكية ممتازة. لكن بحق الله، إذا لعبنا بأربعة مسيحيين اليوم، ستبدأ رسائل العتب والاتصالات بالتدفق على هاتفي قبل صافرة نهاية الشوط الأول. نحن بحاجة إلى توازن مناطقي دقيق ومثالي على أرض الملعب!”
إذا لم تكن التشكيلة الأساسية عبارة عن موزاييك (فسيفساء) يمثل الديموغرافيا اللبنانية بدقة، فالمباراة تنتهي قبل أن تبدأ:
المركز في الملعب التشكيلة الطائفية المثالية
الدفاع 2 قلب دفاع من الطائفة السنية لتأمين الخط الخلفي.
الوسط 2 لاعبي ارتكاز (محور) من الطائفة الشيعية لضبط إيقاع اللعبة.
الأجنحة 2 لاعبي أجنحة من الطائفة الدرزية لتأمين السرعة على الأطراف.
الهجوم وحراسة المرمى 4 لاعبين مسيحيين موزعين بين الهجوم وحراسة المرمى، مع لاعب أرمني على دكة البدلاء لضمان السلم الأهلّي الكامل.
معضلة التبديل
الكوميديا الحقيقية تبدأ عندما يتعرض لاعب للإصابة أو يطرد بالبطاقة الحمراء.
في أي بلد طبيعي، إذا أصيب المهاجم “السني” النجم بتمزق عضلي، يستبدله المدرب بثاني أفضل مهاجم في الفريق. أما في لبنان، فلا يمكنك فعل ذلك إذا كان المهاجم البديل “شيعياً”؛ لأنك فجأة ستكسر التوازن الهش للتشكيلة، ويتحول مجرد تبديل رياضي بسيط في نظر الجمهور إلى “انقلاب سياسي” غاشم!
كابوس المدرب: “أريد إدخال أفضل صانع ألعاب لدينا، لكن إذا أخرجت لاعباً درزياً لفعلك ذلك، فنصف البلد سيقاطع المباراة القادمة.. لنكمل اللعب بـ 10 لاعبين ونخبر وسائل الإعلام أنها لفتة رمزية تجسد الوحدة الوطنية!”
بينما تعمل الأندية المحلية في الدوري اللبناني الممتاز كواجهات واضحة ومباشرة للطوائف والملل (حيث كانت المباريات تُقام لسنوات في ملاعب فارغة خوفاً من اندلاع حروب أهلية مصغرة بين الجماهير)، يُتوقع من المنتخب الوطني أن يكون “حكومة ائتلافية” سلمية.
الاستنساخ الكروي: حروب أهلية بقمصان عالمية
ولأن “الأنا الطائفية” لا يمكن أن تختفي خلال شهر المونديال، فقد ابتكر الشعب اللبناني ظاهرة فريدة من نوعها. بما أن منتخبهم الوطني خارج الحسابات دائماً، يقوم اللبنانيون بعملية “نسخ ولصق” (Copy-Paste) لانقساماتهم الداخلية، ولكن بقمصان دولية!
في لبنان، لا يشاهد الناس كأس العالم كمشجعين محايدين؛ بل يتقاسمون المنتخبات العالمية تماماً كما يتقاسمون الولاءات الداخلية في بيروت:
المانشافت والسامبا: تجد ضاحية أو حياً بأكمله يرفع أعلام ألمانيا، ليس لأنهم يعشقون الفلسفة الصناعية في بافاريا، بل لأن العناد الألماني والقوة يناسبان مزاجهم في التحدي. في المقابل، يرتفع علم البرازيل في الحي المجاور بكثافة مرعبة، وتندلع المشاكل و”التلطيش” في الشوارع إذا خسرت البرازيل أمام ألمانيا، وكأنها معركة انتخابية في جبل لبنان!
الماتادور والديوك: تنقسم العائلات بين مشجعي إسبانيا وفرنسا (الأم الحنون)، وتتحول صالونات المنازل إلى جبهات قتال كلامية وإشهار للولاءات الخارجية، في مشهد كوميدي يعكس كيف أن اللبناني مستعد للموت دفاعاً عن نيمار أو ميسي، في حين أن نيمار وميسي لا يعرفون أصلاً أين يقع لبنان على الخريطة.
المفارقة المضحكة هي أن اللبناني، الذي يفشل في الاتفاق مع جاره على أبسط الأمور، يملك استعداداً هائلاً للتعصب الأعمى لمنتخب يبعد عنه آلاف الكيلومترات، متناسياً تماماً فكرة دعم بلده.. لأن بلده ببساطة مُفصّل على قياس خطوط التّماس.
الموهبة في مواجهة “الماتريكس”
لبنان لا يفتقر إلى المواهب الكروية، بل يفتقر إلى القدرة على النظر إلى اللاعب ورؤيته “كلاعب كرة قدم” فقط، دون البحث في هويته وشجرة عائلته.
إلى أن يأتي اليوم الذي يستطيع فيه المدرب اختيار لاعبيه الأحد عشر بناءً على لياقتهم البدنية، وعيهم التكتيكي، وانسجامهم داخل الملعب—دون الحاجة إلى مستشار ديني يجلس بجانبه على مقاعد البدلاء للموافقة على التبديلات—سيظل المنتخب اللبناني التشكيلة الأكثر توازناً ديموغرافياً، والأكثر مثالية طائفياً.. لمشاهدة البرازيل وألمانيا تتنافسان، وتبنّي الربح، وتحليل الخسارة..على وقع صوت الاراكيل في المقاهي أو من على أريكة المنزل في بيروت!




