“القرار وحده لا يكفي: درس من نيويورك إلى بيروت” | بقلم أميرة سكر

في منتصف ايلول 2025 أصدر محافظ بيروت القاضي مروان عبود تعميمين.
الأول ينظم أوقات تفريغ البضائع للمطاعم والفنادق والمؤسسات.
والثاني يلزم الجميع برمي النفايات في المستوعبات بين الثامنة مساءً والثانية عشرة فجراً. وهما قراران منطقيان في جوهرهما.
كان من المفترض أن يخففا زحمة السير في ساعات الذروة، وأن ينظما عمل شركة جمع النفايات ويخفضا الكلفة عن البلدية، وأن يعيدا للبيئة توازنها وللشوارع وجهها النظيف.
قرارات تصب مباشرة في مصلحة المدينة وأهلهاوتحافظ على النظافة والمظهر العام.
مضت الأشهر. ولم يُنفذ أي شيء. مع أن البلدية كانت قد توعدت بمحاضر ضبط من فوج حرس وشرطة بيروت لمتابعة التطبيق.
بقيت الشاحنات تفرغ ظهراً، وبقيت النفايات على الأرصفة نهاراً، وبقيت الشوارع على حالها.
في المقلب الاخر، وفي العام 2007، أخذ عمدة نيويورك قرارا حاسما بأن تعود للدولة هيبتها، وأن يسود القانون، وأن تُقتلع الفوضى من جذورها قبل أن تستفحل.
فإذا بالمدينة التي ضاق بها الناس تتحول في سنوات معدودة إلى عنوان للأمن والنظافة والحياة.
العبرة لم تكن في اسم ولا في شخص. العبرة كانت في الإرادة، وفي إدارة تحررت من القيود، وفي سلطة نزلت إلى الشارع، وفي بلدية استعادت زمام أمرها، وفي متابعة يومية حولت القرار من حبر إلى واقع.
*ماذا ينقص بيروت؟*
ها هي بيروت اليوم تقف على العتبة ذاتها.
تثقلها النفايات، وتشوهها التعديات، وتخنقها فوضى السير، ويغيب عنها وجه الدولة. وينزف منها أهلها لأن الثقة بالمستقبل تآكلت.
لكن بيروت ليست مدينة كغيرها. هي ذاكرة أمة، وتاريخ حضارة، وموقع لا يتكرر، وعقل لا يشيخ.
بيروت لا ينقصها القرار فقد صدرت قرارات كثيرة…. ما ينقصها هو “قرار تنفيذ القرار”.
المطلوب تنفيذ القرارات الصادرة عن محافظ بيروت وخطة أمنية تعيد للقانون هيبته في الطريق والسوق والحي، فلا كبير على المحاسبة ولا صغير فوق القانون.
ومشروع حضاري يرد للكورنيش والأسواق والمساحات العامة وجهها الذي خطفه الإهمال.
ويدٌ تمتد بالشراكة مع أهل المدينة لانتشالها، لا لبيعها في سوق الأزمات.
نيويورك لم تنهض بالصدفة، ولم تنتظر المعجزات. نهضت لأن أحداً قرر، ثم تابع، ثم حاسب.
والسؤال اليوم:
متى تتحول بلاغات محافظ بيروت من إرادات على ورق إلى إدارات لمدينة نظيفة ومنضبطة؟




