سبع سنوات من الكذب والخداع مرّت على البلاد وأهلها حتى أصبح واضحًا أن الحكومة، ومعها جمعية أصحاب المصارف والبنك المركزي، لا يريدون حلًّا حقيقيًا لقضايا الودائع وهيكلة المصارف والانتظام المالي، وإنما يريدون ترك الحبل على الغارب حتى تيأس الناس وتملّ من المطالبة بحقوقها، فيذهب كل فريق إلى موقعه، “يواصل عمله” متحررًا من القيود والعهود التي تحد من حركته ومنصرفًا إلى نفس الأعمال المشبوهة التي جلبت له المال الوفير من قبل.
فالحكومة من أول الأحداث كانت تعي وجود خلل فاضح في بنية المصارف وممارساتها الملتوية، لكنها لم تفعل شيئًا إزاء ذلك لتصحيح الأمور وإنما انشغلت بمحادثات ومهاترات ومشاريع قوانين مليئة بالثغرات يتعذر معالجتها، وإن أمكن استخدامها للجدل والمماحكة وكسب الوقت.
فلو أن الحكومة كانت صادقة وعازمة على الحل، لبادرت منذ اليوم الأول لانفجار الأزمة إلى تطبيق القوانين النافذة المؤهلة لاستيعاب الانفجار وإطفاء نيرانه، أو لكانت تسلّحت بالأسلوب الذي اعتمدته، بعد أزمتها المصرفية الجارفة، حكومة آيسلندا ذلك الأسلوب الذي أثبت نجاعته في معالجة نكبة المصارف الآيسلندية ومحاسبة الإدارة السيئة التي كانت غارقة بالفساد.
أما المصارف اللبنانية، التي استفادت من الفوائد الفاحشة على مدى عقود، وقد سطا الكثير من أصحابها على رأسمالها، فقد قالت كلمتها منذ اليوم الأول: لا لتطبيق القوانين، لا للكابيتال كونترول، لا لإعادة الودائع. مؤثرة استمرار الوضع على حاله والامتناع عن إيجاد حلول جدية، هي بمتناول اليد، كي تتمكن من التمتع بما غنمت والإفلات من العقاب. فاستبدّت بالمودع، واستنزفت ودائعه، وأصدرت القرارات الجائرة بحقه مدعومة من الحكومات التي امتهنت الخضوع للمصارف. أما البنك المركزي – الذي عطّل القانون بكلمة من رياض سلامة الذي أعلن بدوره من الكسليك أن سياستنا تقضي بعدم إفلاس أي مصرف مما أدى إلى تشريع الاختلاس وتبييض الأموال – فإنه، ولأسباب تعود إلى الجشع والطموح السياسي غير المشروع، فتح أبوابه للفساد والنهب والهندسات المالية، مميزًا بين المواطنين، متجاهلًا دوره في الحفاظ على الاستقرار النقدي وسمعة البلاد، متيحًا لكبار المدينين بالدولار إعادة ديونهم بالليرة مما ضيّع على الخزينة ما يوازي 25 مليار دولارًا (راجع البروفسور توفيق شمبور).
إن البنك المركزي، الذي يطمح إلى مركزة السلطات النقدية والرقابية بين يديه، ما يزال مترددًا في طرح الحلول البنّاءة وكأنه موجود لأغراض أخرى لم تعد خافية على أحد.
خلاصة القول، إن إخفاق الأطراف الثلاثة: جمعية المصارف، الدولة، البنك المركزي، في التصدي للمحنة ليس صدفة، خاصة أننا لا نلمس سوى التسويف والتأجيل تحت عناوين مختلفة ومختلقة. لقد أصبح الأمر معروفًا لدى القاصي والداني، وكأنه ينبىء بما قاله رياض سلامة أول الأزمة بأن الأمور قادرة على تصحيح نفسها بواسطة اليد الخفية التي تبيّن أنها معروفة ولا ترتدع لحظة عن نهب الدولة وسرقة الشعب حتى في أقسى الأوقات.




