السبت 5 سبتمبر 2026 بيروت
النشرة البريدية
تحليل سياسي واقتصادي معمّق — بيروت
اشترك
5 سبتمبر 2026·بيروت النشرة
الملف الاستراتيجي
الأقسام النشرة
الأرشيف والخدمات
الرئيسيةازمة لبنان
ازمة لبنان

اللّبنانيّ ولَعنة الأرقام: غلاءٌ فاحش، وطبقة وسطى تحفر قبرها بيديها | بقلم طوني لطيف حرب

ضجَّت منصّة إكس في الأيام الماضية، بتغريدات صياحٍ وبكاءٍ وعويلٍ، بسبب فواتير كهرباء الدّولة، واشتراكات المولِّدات الخاصّة، الّتي جاءت مفجِعةً وثقيلةً، حتّى على المغترِب الّذي يصرف على أهله. رتلٌ هائلٌ من صور الفواتير ومن شكاوى المغرِّدين – ومعظمهم من فئة الشّباب – من عدد الكيلوواط الخياليّ المصروف. لا شكّ في أنّنا، بتنا نعيش على قيد الأرقام، وتحت حكمها وسلطتها، ولا ننفكّ نعافر لتعلّم قواعد اللّعبة، ونكافح للتّكيّف معها، ونقاوم لئلّا نخسر فرصَنا المتبقّية للبقاء، ونصبح خارج اللّعبة.

تتحكّم الأرقام بحياتنا اليوميّة والمهنيّة، وذهننا، وعلاقاتنا الاجتماعيّة، وقدرتِنا الشّرائيّة، ووقتِنا، وأعمارنا… أرقامٌ تدور بنا، ونتعامل معها على أنّها مصدر توتّرٍ وجوديٍّ، لا أداة قياس؛ فنغفو على أرقامٍ تعايشنا معها أمس، ونصحو على أرقامٍ سنواجهها اليوم، ونخشى أرقامًا ستصطدم بنا في الغد. فسادٌ متراكم، وسرقةٌ محلّلة، وإجرامٌ اقتصاديّ علنيّ؛ كلّها ندفع ثمنها مرّتَين، مادِّيًّا ونفسيًّا، ونتحمّل عبء الحسابات الذّهنيّة والحِمل النّفسيّ المترتِّب عليها. أصبح قلق تقلّب الأرقام، متلازمةً نعانيها جميعنا، تفتك بجهازنا العصبيّ، وتنخر كالسّوس في صحّتنا النّفسيّة.

الفجوة العميقة بين واقع المردود، وكارثة المصروف، تكشف عن معادلةٍ مختلّة العناصر، بل تعجيزيّة، لا يمكن حلّها ولا الانسحاب منها. فلم يعد الرّاتب مقياسًا للجهد المبذول، أو ترجمةً لعدد ساعات العمل، إنّما تحوّل رقمًا نظريًّا، وحبرًا على ورقة كشف الحساب، يتبخّر قبل أن يستقرّ في المحفظة. يتهالك اللّبنانيّ على الأريكة، في نهاية اليوم، وفي ذهنه حساباتٌ رياضيّة ماردة، من المصروف اليوميّ للعائلة، إلى إيجار المنزل، ومصروف البنزين، والأقساط، والفواتير، وفي جيبه رقمٌ قزم، استنزف طاقته لثلاثين يومًا، لا يكفي لتسديد نصف قيمتها. وعندها، يشعر بعجزه عن غلب وحش الأرقام، وبسخرية الأرقام منه، الّتي لم تعد تقدّم له قيمةً فعليّة البتّة، لأنّها أصبحت مجرّد أداةٍ لقياس سرعة التّآكل، وسرعة تراجع قدرته الشّرائيّة. وهنا، تتجلّى علاقةٌ أعمق، بين الفرد ووظيفته، بوصفها علاقة رِهان لا ضمان.

بعض اللّبنانيّين، من الطّبقة المتوسّطة الدّخل، شركاء في تردّي الحالة الاقتصاديّة الاجتماعيّة هذه. فتراهم يشتكون من الأسعار، ويستنكرون الغلاء الفاحش، ويدينون غياب الرّقابة، وينعون رواتبهم الرّمزيّة، ضمن تغريدةٍ، ترافقها صورةٌ لفاتورة مطعم، قصدوه بملء إرادتهم، وكامل وعيهم، يعبّرون فيها بلهجة الدّهشة والصّدمة، عن الأسعار المرتفعة غير المنطقيّة.

لا تشتكِ من السّعر، وأنتَ من دفعتَ ثمن منقوشة الزّعتر أكثر من دولار واحد، لأنّ اسمها على القائمة Pâte recouverte d’un mélange mystique de thym, de sésame et de sumac!

لا تستنكر الغلاء، بعد أن تكون قد طلبتَ صحن تبّولة، يصل سعره إلى عشرة دولارات!

لا تدِن غياب الرّقابة، وأنتَ ترتَشف فنجان قهوة، مغليًّا بماء الذّهب، ثمنه أربعة دولارات!

لا تنعِ راتبك، وأنتَ تُلبّي الدّعوة، إلى ملهى أو مقهى فخم، لحضور الحفلة الثّالثة لوداع العزوبيّة، أو لقطع كعكة عيد ميلادٍ بخمسين دولارًا!

لا تتذرَّع بـ”تغيير الجوّ” وبأنّ لا حول لك ولا قوّة على التّدخّل وصناعة التّغيير. اِبحث عن مداخل أخرى للسّعادة، من دون أن تُنهَب؛ اِقتَنِ عاداتٍ جديدة صحّيّة ومفيدة، بدل عادة التّبذير والسّعي وراء إرضاء رغباتك وأهوائك؛ اقتنِع بوضعِك المادّيّ، وأسهم في تحسينه، لا في تردّيه، ولا تحسبنَّ كلّ ذلك، ضغطًا إضافيًّا، لأنّك لو وجدتَ حقًّا، في البذخ والإسراف، سعادتَك وراحتكَ، لما شكَيت وبكيت.

لا يصحّ في وصفكَ، سوى قول الشّاعر: “ومن العجائب ظالمٌ يتظلَّمُ”. فبدَل أن تنوح على ما أصابك جرّاء أفعالك، وبدل أن تصنع حتفكَ بيدَيك، وبدل أن تحفر بئر غرقِك بنفسِك؛ قاطِع، وحاسِب، وسائل. إنّ الرّفاهيّةَ الّتي تدّعي أنّها متنفّسك الوحيد، لن تكون سوى حبل مشنقتك؛ ولهاثَك وراء إظهار الأفضليّة، واستماتَتك لممارسة حريّتك الزّائفة، ليست سوى إشراكٍ لكَ في دائرة الاقتصاد، المتحكّمة بكَ وبنا؛ وإنّ تمسُّككَ بالصّرف على كماليّاتٍ، يحاربونَك اقتصاديًّا بها، باسم الحقّ في مستوى معيشيٍّ لائق، ليس سوى إسهامٍ مباشرٍ في القضاء على الطّبقة المتوسّطة وانقراضها. وفي الواقع، ما هو أخطر من محاولة التّكيّف مع الوضع، إنّما هو تعوُّده. كيف وصلَت بنا الحال، إلى تقبُّل كلّ نكسةٍ اقتصاديّة، ونحن أصلًا نرزح تحت أزماتٍ متتالية ومستمرّة؟ من زرع فينا عقليّة التّكيّف مع وضعٍ مأزومٍ ومُفتَعَل؟ ما فائدة تغنّينا بالعلم، والثّقافة، وانفتاحنا على الحضارات، في واقعٍ نتسابق فيه مع الأرقام التّصاعديّة، بدلَ كبحها والانتفاض عليها؟ أيّ نوعٍ من البشر، هذا الّذي يكون مسروقًا وراضيًا؟ يلوح في الأفق الاقتصاديّ، سوادٌ خانق، لا مهرب منه ولا منفذ، وإن استفحلَت الأزمة أكثر فأكثر، فوداعًا للطّبقة المتوسّطة، وأهلًا بالفجوة الطّبقيّة وبالخلل الهيكليّ العميق، في المنظومتَين الاقتصاديّة والاجتماعيّة.

أمّا عن النّظرة العلميّة للوضع الاقتصاديّ العامّ، فيُشير المركز اللّبنانيّ للدّراسات السّياسيّة، في دراسةٍ عامَ 2025، إلى أنّ نسبة الطّبقة الوسطى هي أقلّ من 20% من السّكّان، بعد أن كانَت نحو ثلثي المجتمع، قبل أزمة عام 2019. كما أنّ هذه النّسبة نفسها، حسب دراساتٍ اقتصاديّةٍ نشرتها منصّة The Beiruter، انقسمت إلى فئتَين: فئةٍ هجرَت البلاد أو تعتمد على أموال الاِغتراب، وفئةٍ طُحِنَت محلّيًّا وسُرِقَت أموالها، أو فقدَت رواتبُها قيمتها. أمّا عن آفاق عام 2026، فيتوقّع البنك الدّوليّ، بلوغ التّضخّم نسبة 17.5% ما سيحول دون أيّ تحسّن في الرّواتب، ويزيد إفقار الفئات المتبقّية. والأخطر من ذلك، يفيد معهد الشّرق الأوسط، أنّ أكثر من 80% من السّكّان، يعيشون في «فقرٍ متعدّد الأبعاد». فإنّ الضّغط المعيشيّ، بات له وجوهٌ متعدّدة، تتخطّى تأمين الغذاء، وتتقاطع كلّها في جَيب المواطن المسروق.

نِداء بِرَجاء، إلى أصحاب القدرة الشّرائيّة: لا تجعلوا أموالكم سبب عثرةٍ لشركائكم بالوطن؛ وإلى المواطنين من الطّبقة المتوسّطة: المقاطعة تعني وعيًا شرائيًّا واقتصاديًّا، واستثمارًا في غدٍ يشبهكم، وليست حدًّا لحرّيّتكم ولا قمعًا لرفاهكم. وقبل الإغلاق، تهنئةٌ وتنويه بالإنجازات العالميّة، بحلول لبنان في المرتبة السّابعة عالميًّا والأولى عربيًّا، في معدّل تضخّم أسعار الموادّ الغذائيّة، وفي المرتبة الثّامنة والخمسين عالميًّا، في مؤشّر كلفة المعيشة، وفقًا لقاعدة البينات العالميّة Numbeo لعام 2026. ولعلّنا نبلغ الصّدارة قريبًا، بفضل “الفنطزة وشوفة الحال”.

عن الكاتب الاستاذ طوني لطيف حرب، مدقّق لغويّ ومدرّب معتمد، ومدرّس للّغة العربيّة الاستاذ طوني لطيف حرب هو مدقّق لغويّ ومدرّب معتمد ومدرّس للّغة العربيّة، يجمع بين الخبرة اللغويّة والتربويّة والمعرفة التقنيّة. يعمل على تأليف دروس رقميّة بالتعاون مع مركز البحوث والإنماء، مساهماً في تطوير المحتوى التعليمي الحديث. حاصل على دبلوم تدريب المدرّبين (Crest Board USA – Meshkat)، وإجازة في التدقيق اللغوي من جمعية الاتحاد الإسلامي (لجنة الدعوة والتعليم الشرعي)، إضافة إلى ليسانس في البرمجة وعلوم الحاسوب من CNAM لبنان، ما يعكس تكويناً متكاملاً يجمع بين اللغة والتكنولوجيا.
تبحث عن المزيد؟