
بتاريخ 11 حزيران 2025، أعلن الاتحاد الأوروبي عن تحديثه لقائمة الدول المصنّفة “عالية المخاطر” في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، بإدراج لبنان رسميًا ضمن هذه القائمة. ويعكس هذا القرار تراجعًا إضافيًا في مستوى ثقة المجتمع الأوروبي والدولي بقدرة السلطات اللبنانية على ضبط نظامها المالي، لا سيما من خلال الهيئات الرقابية المعنية.
بداية، تجدر الإشارة إلى أن فلسفة هذا التصنيف لا تقوم على العقوبة بالمفهوم التقليدي، بل على التحفيز، إذ يُفترض أن يدفع الدولة المعنية إلى بذل جهود حثيثة ومنهجية لتصحيح مكامن الخلل في منظومتها التشريعية والتنفيذية والخروج من القائمة. وبالتالي، فإن جوهر القرار يندرج ضمن إطار تشجيع لبنان على المضي قدمًا في تنفيذ الإجراءات والإصلاحات المتفق عليها دوليًا.
يستعرض هذا المقال الأبعاد القانونية والاقتصادية للقرار الأوروبي، ويحلّل انعكاساته المحتملة على الواقع اللبناني الداخلي، كما يقدّم مجموعة من التوصيات والمقترحات التي قد تُمكّن لبنان، في حال التزامه بها، من العودة إلى رحاب النظام المالي الدولي والتخفيف من وطأة العزلة المتزايدة..
يعتمد الاتحاد الأوروبي في تصنيفه هذا على المعايير التي تضعها مجموعة العمل المالي الدولية (FATF). وقبل إدراج أي دولة، يجري الاتحاد تقييمًا معمّقًا يشمل:
- مدى ملاءمة الإطار التشريعي والتنظيمي للدولة المعنية مع المعايير الدولية المعتمدة.
- فعالية تطبيق القوانين والأنظمة ذات الصلة.
- استقلالية الهيئات الرقابية والسلطات القضائية.
- مستوى التعاون الدولي، لا سيما في تبادل المعلومات المالية والقضائية.
وبموجب التشريعات الأوروبية، تترتب على إدراج لبنان في هذه القائمة “التزامات احترازية مشددة” على المؤسسات المالية الأوروبية عند التعامل مع الأطراف اللبنانية (سواء كانت مؤسسات أو أفرادًا). وتشمل هذه التدابير تطبيق إجراءات العناية الواجبة المعززة (Enhanced Due Diligence)، مما يرفع من تكلفة التعامل مع النظام المالي اللبناني، ويؤخر – بل يفرمل فعليًا – فرص انفتاح النظام المالي اللبناني على الأسواق الخارجية.
أما في ما يتعلق بالدلالات القانونية للقرار، فيمكن تلخيصها على النحو الآتي:
- إخلال لبنان بالتزاماته الدولية، بما يعكس تعثّره في تنفيذ التزاماته بموجب عدد من المعاهدات والاتفاقيات الدولية، ولا سيّما:
- اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الجريمة المنظمة عبر الوطنية (باليرمو، 2000).
- التوصيات الأربعون الصادرة عن مجموعة العمل المالي (FATF)، ولا سيّما تلك المرتبطة بالشفافية، والحوكمة المالية، وتعزيز الرقابة، سواء من خلال هيئة التحقيق الخاصة، أو وحدة الرقابة على الأسواق المالية.
- ضعف فعالية الهيئات أو الجهات الرقابية المعنية، فعلى الرغم من وجود كلّ من هيئة التحقيق الخاصة في مصرف لبنان ووحدة الرقابة على الأسواق المالية، فضلًا عن القانون رقم 44/2015 المتعلق بمكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، إلا أن أداء هذه الهيئات لا يزال خاضعًا لتأثيرات المصالح السياسية والمصرفية، مما انعكس سلبًا على جدّية وفاعلية الإجراءات المتخذة.
وتجدر الإشارة إلى أن الإشكالية القائمة لا تتعلق بغياب أو نقص في التشريعات، بل بخلل مزمن في تطبيقها وتنفيذها. فلبنان لا يعاني من “فجوة تشريعية”، بل من انحراف تطبيقي عن القواعد القانونية القائمة، ما يجعل تفعيل القوانين الموجودة في كتلة المشروعية أكثر إلحاحًا من السعي إلى تعديلها. بل يمكن القول إنّ هذا التفعيل من شأنه أن يضع حدًا لسياسة الإفلات من العقاب السائدة.
أما من حيث الانعكاسات الاقتصادية والمالية المباشرة لهذا القرار، فيمكن إبراز النقاط التالية:
- تعقيد عمل النظام المصرفي اللبناني مع الخارج: فإدراج لبنان على هذه القائمة سيُعيق تعامل المصارف اللبنانية مع البنوك المراسلة الأوروبية، سواء في ما يتعلق بفتح الحسابات، أو تنفيذ التحويلات المالية، ما يؤدي إلى تقويض النشاطات المصرفية والتجارية العابرة للحدود، وزيادة كلفة التعامل مع النظام المالي اللبناني.
- تراجع جاذبية لبنان كمستقطب للاستثمارات الأجنبية: إذ يمثّل هذا القرار عاملًا سلبيًا إضافيًا في وجه أي جهود لجذب رؤوس الأموال الخارجية. فالرأسمال الدولي يبحث عن بيئة قانونية شفافة ومستقرة، ويرى في لبنان اليوم نموذجًا لدولة مرتفعة المخاطر وغير مستقرة وبيئة غير قانونية، تفتقر إلى الثقة والحوكمة المالية. وعليه، فإن فرص الاستثمار ستبقى محدودة، ما يقلّص فرص تحقيق أي انتعاش اقتصادي في المدى القريب والمتوسط.
- تعميق عزلة لبنان المالية وتعطيل فرص التعافي: يتعارض مضمون هذا التصنيف بشكل مباشر مع متطلبات صندوق النقد الدولي وسائر الجهات المانحة الدولية، إذ تشترط هذه الجهات حدًا أدنى من الشفافية والرقابة. وبهذا المعنى، فإن إدراج لبنان على قائمة الدول عالية المخاطر يُقوّض فرصه في الحصول على تمويل خارجي أو دعم تقني، ويُبعده أكثر عن خارطة التعافي المالي المنشود.
توصيات للخروج من القائمة الأوروبية للدول عالية المخاطر
لرفع اسم لبنان عن قائمة الدول المصنّفة عالية المخاطر في مجال مكافحة غسل الأموال وتمويل الإرهاب، لا بد من العمل الجاد والدؤوب لتحقيق ما يلي:
- تعزيز استقلالية الهيئات الرقابية والقضائية، لا سيّما هيئة التحقيق الخاصة، ولجنة الرقابة على المصارف، ولجنة الضبط التابعة لهيئة الأسواق المالية.
- تطبيق القوانين الموجودة ضمن كتلة المشروعية، وذلك على مستويين: أولًا عبر تطبيقها بفعالية، وثانيًا بشفافية، مع التوصية بنشر تقارير دورية وعلنية عن الإجراءات المتخذة، تعزيزًا للثقة والمساءلة.
- إطلاق مسار قضائي جدّي، يُترجم من خلال ملاحقات فعلية في قضايا غسل الأموال، والفساد، والجرائم المالية والمصرفية.
- الانخراط في تعاون دولي أكثر فعالية، خصوصًا عبر تبادل المعلومات المالية والقضائية مع الدول الأوروبية، لتعزيز الثقة المتبادلة.
في الخاتمة، لا بد من التوقف عند توصيف “سرقة العصر” الذي بات متجذرًا في الوجدان الشعبي، كتعبير صريح عن حجم الانهيار الذي لم يكن نتاج أزمة عابرة أو خطأ تقني، ولا يُمكن وصفها بأنها نظامية، بل هي نتيجة مباشرة لانحراف تطبيقي خطير، تَمثل في تغييب النصوص القانونية الملزِمة، ما أدى إلى كارثة مالية شاملة طالت الاقتصاد وأموال المودعين.
ويأتي القرار الأوروبي اليوم ليكرّس هذا الواقع قانونيًا على المستوى الدولي، كاشفًا بوضوح عن افتقار الدولة اللبنانية إلى الحد الأدنى من الشفافية والحوكمة. لكنه، في الوقت ذاته، يشكل دعوة صارخة للسلطات اللبنانية إلى العمل الجاد للخروج من هذه القائمة، وهو أمر يتطلب تحولًا جذريًا في بنية النظام نحو المحاسبة الفعلية، وتفكيك منظومة الإفلات من العقاب، واستعادة أسس الثقة الدولية، قبل أن تُغلق نهائيًا نوافذ الحلول.




