
يُعَدّ عيدُ العمّالِ من المناسباتِ العالميّةِ التي تحملُ معاني اجتماعيّةً وإنسانيّةً عميقةً. فهو يومٌ يُرفَعُ فيه صوتُ الكادحينَ تكريماً لعطائِهم وجهودِهم في بناءِ المجتمعاتِ.
إلّا أنّ الولاياتِ المتّحدةَ الأميركيّةَ تميّزت باختيارِ موعدٍ مختلفٍ للاحتفالِ بهذا العيدِ؛ إذ تحتفلُ به في الاثنينِ الأوّلِ من أيلول/سبتمبر تحتَ اسمِ «عيدِ العمل» (Labor Day)، بينما يُحتفلُ به في معظمِ بلدانِ العالمِ في الأوّلِ من أيّار/مايو. هذا الاختلافُ لم يكنْ مجرّدَ قرارٍ تقويميّ، بل يعكسُ رؤيةً تاريخيّةً خاصّةً وموقفاً سياسيّاً واجتماعيّاً ارتبطَ بأحداثِ القرنِ التاسعَ عشر.
جذورُ العيدِ العالميّ
تعودُ جذورُ عيدِ العمّالِ العالميِّ إلى شيكاغو نفسها، حيث اندلعت عامَ 1886 تظاهراتٌ ضخمةٌ للمطالبةِ بتحديدِ يومِ العملِ بثماني ساعاتٍ. عُرفت هذه الأحداثُ باسمِ «إضراب هايماركت»، وسقطَ خلالها قتلى وجرحى، ما جعلَها رمزاً لتضحياتِ العمّالِ ونضالِهم.
ومن رحمِ تلك المأساةِ، اعتمدت الحركاتُ العمّاليّةُ في أوروبا وأميركا اللاتينيّة والأمميّةُ الاشتراكيّةُ الأوّلَ من أيّار يوماً عالميّاً للعمّالِ. وأصبح لاحقاً يوماً رسميّاً في معظمِ بلدانِ العالمِ.
لكنّ المفارقةَ أنّ الولاياتِ المتّحدةَ، التي شهدت الشرارةَ الأولى لهذه الحركةِ، لم تعتمدْ الأوّلَ من أيّار. بل اختارت يوماً آخر هو الاثنينُ الأوّلُ من سبتمبر، لتفصلَ بينَ ذكرياتِ المواجهاتِ الداميةِ وبينَ تكريمِ العمّالِ بصورةٍ أكثرَ هدوءاً وأقربَ إلى الاحتفالِ الاجتماعيِّ منهُ إلى الطابعِ النضاليِّ.
لماذا اختارتْ أميركا سبتمبر؟
لم يكنْ الابتعادُ عن الأوّلِ من أيّار اعتباطيّاً. فقد خشيتِ الحكوماتُ الأميركيّةُ في أواخرِ القرنِ التاسعَ عشر من أن يتحوّلَ يومُ العمّالِ العالميُّ إلى مناسبةٍ ذاتِ صبغةٍ اشتراكيّةٍ أو ثوريّةٍ، خاصّةً مع تنامي الحركاتِ اليساريّةِ والنقابيّةِ.
لذلك جرى اعتمادُ يومٍ بديلٍ يُرضي النقاباتِ العمّاليّةَ المحليّةَ، من دون أن يمنحَ مساحةً كبيرةً للتعبئةِ السياسيّةِ ذاتِ الطابعِ الراديكاليِّ. وجاء أوّلُ احتفالٍ بـ«عيدِ العملِ» في نيويورك عامَ 1882 بمبادرةٍ من اتحادِ النقاباتِ، ثم تبنّت الفكرةَ ولاياتٌ عدّةٌ، قبلَ أن تُعلنَ الحكومةُ الفدراليّةُ عامَ 1894 الاثنينَ الأوّلَ من سبتمبر عطلةً رسميّةً وطنيّةً.
وهكذا ترسّخ العيدُ كجزءٍ من الهويّةِ الأميركيّةِ الخاصّةِ، منفصلاً عن الإطارِ الأمميِّ الذي مثّلَهُ الأوّلُ من أيّار. ومع ذلك، لا تزالُ بعضُ الحركاتِ العمّاليّةِ في أميركا تحتفلُ بالأوّلِ من مايو، تضامناً مع نظرائِها في العالم، وإنْ كان الطابعُ الرسميُّ والشعبيُّ الغالبُ هو الاحتفالُ في سبتمبر.
رمزيّةُ العيدِ في أميركا
يرمزُ «عيدُ العملِ» الأميركيُّ إلى تقديرِ إنجازاتِ الطبقةِ العاملةِ التي ساهمت في نهضةِ البلادِ الصناعيّةِ والاقتصاديّةِ. لكنّه تحوّلَ أيضاً إلى مناسبةٍ ثقافيّةٍ واجتماعيّةٍ واسعةِ المعنى، أبرزها:
1. تكريمُ العاملِ الأميركيِّ: إبرازُ أهمّيّةِ الجهدِ الفرديِّ والعملِ اليدويِّ والعقليِّ في بناءِ «الحلمِ الأميركيِّ».
2. الهويّةُ الوطنيّةُ: التأكيدُ على خصوصيّةِ التجربةِ الأميركيّةِ في مقاربةِ قضايا العملِ بعيداً عن المؤثّراتِ الخارجيّةِ.
3. البعدُ الاجتماعيُّ: تحوّلَ العيدُ إلى عطلةٍ عائليّةٍ تتخلّلُها النزهاتُ والمهرجاناتُ، حتى صار يُعرفُ كبدايةٍ غيرِ رسميّةٍ لفصلِ الخريفِ ونهايةِ الصيفِ.
4. التوازنُ بينَ العملِ والراحةِ: فهو يذكّرُ بأنّ السعيَ والإنتاجَ يجبُ أن يقابلهما تقديرٌ ووقتٌ للراحةِ، في انسجامٍ مع فلسفةِ الحياةِ الأميركيّةِ القائمةِ على الجمعِ بينَ الجهدِ والرفاهِ.
عيدُ العمّالِ العالميّ: وجهٌ آخر
في المقابلِ، يُحتفلُ بالأوّلِ من أيّار في أوروبا وآسيا وأفريقيا وأميركا اللاتينيّةِ بوصفِه يوماً ذا طابعٍ كفاحيٍّ. إنّه يومٌ تخرجُ فيه النقاباتُ إلى الشوارعِ لرفعِ المطالبِ وتحقيقِ مكاسبَ جديدةٍ.
وفي بعضِ البلدانِ، يُستحضرُ اليومُ كشهادةٍ لضحايا الحركةِ العمّاليّةِ، ومناسبةٍ لتجديدِ الالتزامِ بقيمِ العدالةِ الاجتماعيّةِ والمساواةِ.
من هنا يظهرُ التبايُنُ الواضحُ: ففي حينِ اختارتْ أميركا «عيدَ العملِ» في سبتمبر كعيدٍ هادئٍ ووطنيِّ الطابعِ، ظلّ الأوّلُ من أيّار عندَ بقيّةِ العالمِ مناسبةً نضاليّةً تعبّرُ عن وحدةِ الطبقةِ العاملةِ في وجهِ التحدّياتِ المشتركةِ.
البعدُ الفلسفيُّ والسياسيُّ للاختلاف
قد يبدو اختلافُ الموعدَين تفصيلاً شكليّاً، لكنّهُ في العمقِ يعكسُ فلسفتَين مختلفتَين. فالعيدُ العالميُّ يقومُ على فكرةِ التضامنِ الأمميِّ ووحدةِ مصيرِ العمّالِ في كلِّ مكانٍ، وهو مستمدٌّ من أدبيّاتِ اليسارِ العالميِّ.
أمّا العيدُ الأميركيُّ في سبتمبر فيقومُ على تقديرٍ وطنيٍّ داخليٍّ ينسجمُ مع النزعةِ الأميركيّةِ إلى الاستقلاليّةِ والخصوصيّةِ. وهكذا أرادت الولاياتُ المتّحدةُ أن تقولَ للعالمِ: نحن نكرّمُ عمّالَنا بطريقتِنا، بعيداً عن أيّ إملاءٍ خارجيٍّ أو شعاراتٍ أمميّةٍ.
الخاتمةُ
عيدُ العمّالِ في أميركا ليسَ مجرّدَ يومِ عطلةٍ، بل رسالةٌ عن كيفيّةِ فهمِ الأميركيّين للعلاقةِ بينَ العملِ والهويّةِ الوطنيّةِ. ففي الوقتِ الذي يشكّلُ فيه الأوّلُ من أيّار رمزاً للتضامنِ العالميِّ بينَ الشعوبِ، يمثّلُ الاثنينَ الأوّلَ من سبتمبر احتفالاً محلّيّاً بالإنجازِ الأميركيِّ وبفلسفةِ العملِ التي قامت عليها الدولةُ الحديثةُ.
وهكذا يقفُ العيدانِ كوجهَين لعملةٍ واحدةٍ: وجهٌ عالميٌّ ينادي بالوحدةِ والعدالةِ الاجتماعيّةِ، ووجهٌ أميركيٌّ يكرّسُ التفرّدَ الوطنيَّ والاحتفالَ بثمرةِ الجهدِ. وبينَ هذَين الوجهَين، يبقى العاملُ هو الأساسَ، والإنسانُ هو الغايةَ، والعملُ هو القيمةَ التي لا غنى عنها في بناءِ الأوطانِ.




