إقتصادالاحدث

في أي كوكب نعيش عندما ينخفض النفط عالميّاً ويرتفع البنزين في لبنان؟! | بقلم د. رنا منصور

في عالم الاقتصاد الطبيعي، تتحرّك أسعار المحروقات وفق معادلة واضحة: يرتفع سعر النفط الخام عالميًا فترتفع كلفة البنزين، وينخفض سعر النفط فتتراجع الأسعار تباعًا بعد فترة زمنية ترتبط بآليات التسعير والتخزين والتكرير. لكن يبدو أن لبنان يعيش في منظومة اقتصادية خاصة به، حيث تخضع الأسعار لقوانين مختلفة، ربما في كوكب آخر لا يشبه باقي الأسواق العالمية.

تُظهر المعطيات الأخيرة مفارقة صارخة: ففي 31 آذار 2026، بلغ سعر برميل النفط نحو 126.69 دولارًا أميركيًا، فيما وصل سعر تنكة البنزين إلى 26.55 دولارًا. وبعد أقل من ثلاثة أشهر، في 23 حزيران 2026، انخفض سعر برميل النفط بشكل كبير إلى 76.60 دولارًا، أي بتراجع يقارب 40%. ووفقًا للمنطق الاقتصادي البسيط، كان يُفترض أن ينعكس هذا الانخفاض على المستهلك اللبناني، لكن المفاجأة أن سعر تنكة البنزين لم ينخفض إلا بشكل طفيف إلى 25.59 دولارًا، أي بتراجع لا يتجاوز 3.4%.

هنا يحق للبناني أن يسأل بسخرية: في أي كوكب نعيش؟ هل نحن في كوكب تتحرّك فيه الأسعار بعكس الاتجاهات العالمية؟ وهل هناك جاذبية اقتصادية خاصة بلبنان تجعل انخفاض أسعار النفط العالمية لا يصل إلى خزانات السيارات؟

المشكلة ليست فقط في الفارق بين نسبة انخفاض النفط ونسبة انخفاض البنزين، بل أيضًا في غياب الشفافية بشأن مكوّنات السعر النهائي. فالمستهلك اللبناني لا يدفع ثمن النفط الخام فقط، بل يدفع أيضًا كلفة النقل والتكرير، والرسوم والضرائب، وتقلبات سعر الصرف، وهوامش الأرباح. لكن هذه العوامل لا يمكن أن تفسّر وحدها فجوةً كبيرة بين انخفاض عالمي بنسبة 40% وانخفاض محلي لا يتجاوز 3.4%.

إن الاقتصاد ليس مجرد أرقام، بل هو انعكاس للثقة بين الدولة والمواطن والسوق. وعندما يرى المواطن أن أسعار النفط تنخفض عالميًا بينما يبقى سعر المحروقات مرتفعًا، يشعر بأن هناك حلقة مفقودة بين حركة الأسواق العالمية وما ينعكس على حياته اليومية.

وفي البلدان التي تحترم قواعد السوق، يراقب المستهلك انخفاض أسعار الطاقة كما يراقب ارتفاعها. أما في لبنان، فيبدو أن الارتفاعات تنتقل بسرعة البرق، بينما تحتاج الانخفاضات إلى رحلة طويلة عبر متاهات التسعير والقرارات والهوامش.

وربما لم يعد السؤال الحقيقي: لماذا لا ينخفض سعر البنزين؟ بل: هل ما زال لبنان جزءًا من الاقتصاد العالمي، أم أنه ابتكر اقتصادًا خاصًا لا تعمل فيه قوانين العرض والطلب إلا عندما تكون النتيجة لمصلحة الأسعار المرتفعة؟

في النهاية، ليست المشكلة في سعر تنكة البنزين وحدها، بل في شعور المواطن بأنه يدفع ثمن أزمة لا يعرف أين تبدأ وأين تنتهي. وبين برميل نفط يهبط بنسبة 40% وتنكة بنزين لا تنخفض إلا قليلًا، يبقى السؤال الساخر قائمًا: في أي كوكب نعيش؟

د. رنا هاني منصور

د. رنا هاني منصور دكتوراه في العلوم الاقتصادية- بنوك وتمويل أستاذ محاضر في الجامعة اللبنانية، كلية العلوم الاقتصادية وإدارة الأعمال- الفرع الأول أمينة سر جمعية الخبراء الماليين عضو في اللجنة العلمية للجمعية اللبنانية لتقدم العلوم عضو في اللجنة الإستشارية لمجلة جويدي للإبتكار والتنمية والإستثمار لها أكثر من 150 مقال في العديد من المواضيع المالية، الاقتصادية، السياسية والاجتماعية

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى