إقتصادالاحدث

مَن يَدفَعُ تَكلِفةَ التَجرِبَةِ والخَطَإِ في التكنولوجيا؟ “مايكروسوفت” نموذجًا | بقلم البروفِسور بيار الخوري

أحدثَ التحديثُ الأخير لأنظمة أمان برامج “مايكروسوفت” هزَّةً كبيرةً في عالم التكنولوجيا، مُتَسَبِّبًا في مشاكل واسعة النطاق أثّرت في الشركات والأفراد عبر العالم. وبينما ركّزَت الصحافةُ والتغطياتُ المُتَخَصِّصة على الأضرارِ المُباشِرة لهذا الخلل، هناكَ جانبٌ مُهِمٌّ لم يُسَلَّط عليه الضوءُ بشكلٍ كافٍ: مَن يدفعُ تكلفةَ التجربةِ والخطَإ في عالمِ التكنولوجيا؟(1)

عادةً ما يُنظَرُ إلى الأخطاءِ البرمجية على أنّها جُزءٌ لا يتجزَّأ من عمليةِ تطويرِ البرامج وتحسينها. ومع ذلك، فإنَّ التكلفةَ الحقيقية لهذه الأخطاء لا تتحمّلها الشركة المُنتِجة للبرنامج وحدها، بل تنتقلُ أعباؤها إلى المُستَخدِمين. في حالة “مايكروسوفت”، يُمكِنُ القول بأنَّ الشركة تستفيد من تجربةِ التعلُّمِ من أخطائها لتحسينِ مُنتجاتها في المستقبل، بينما يتحمّلُ المستخدِمون الآثارَ السلبية في المدى القصير.

تسبَّب التحديثُ الأخير في تعطيلِ العديد من الأنظمة وإلحاقِ الأضرارِ بعملياتِ الشركات والأفراد للخطر. هذه الأضرارُ لم تقتصر على الجوانب التقنية فقط، بل امتدّت لتشمل الجوانب المالية والتشغيلية. الشركات اضطرَّت إلى وَقفِ عملياتها لحلِّ المشاكل الناجمة عن التحديث، ما أدّى إلى خسائر مالية كبيرة. تجدر الاشارة إلى أنَّ 50% من الشركات المُدرَجة على قائمة “فورتشن 500” تستخدمُ انظمة “كراود سترايك” (Crowd Strike) المُتَسبِّبة بالعطل كما 8 من اصل عشر أكبر شركات مالية في العالم.

في الواقع، مَن يدفع الثمن هم المستخدمون النهائيون. سواء كانوا أفرادًا أم شركات، يجد المستخدمون أنفسهم مُضطَرِّين لتحمُّل تكلفةِ معالجة الأضرار التي تَسَبَّبَ بها التحديث. تشملُ هذه التكاليف الوقت والجهد اللازمَين لإصلاحِ المشاكل والأعطال، بالإضافة إلى الأضرار المالية الناتجة عن تعطيل الأعمال.

“مايكروسوفت”، من جانبها، تستفيدُ من التعلُّمِ من أخطائها. تتمكّنُ الشركة من تحليلِ الخلل، وتطويرِ حلولٍ تمنعُ تكرار المشكلة في المستقبل، ما يُعزّزُ من قوّةِ مُنتجاتها في المدى الطويل. هذه التحسينات قد تؤدّي إلى زيادةِ رضا العملاء مُستقبلًا وتحسين سمعة الشركة في السوق، ما ينعكسُ إيجابًا على سعر سهمها.

في نهاية المطاف، فإنَّ تكلفةَ التجربةِ والخطَإِ في عالم التكنولوجيا تتحمّلها الغالبية العظمى من المستخدمين، بينما تستفيدُ الشركات المُصنِّعة من الدروس المستفادة لتحسين منتجاتها.

إنَ وَضعَ “مايكروسوفت” كمُحتكرٍ عالمي للخدمات والسلع التكنولوجية يمنحها أفضليةً كبيرة في تحويلِ التكاليف إلى المستخدمين، ويؤثّرُ بشكلٍ كبير في كيفيةِ تحمُّلِ هذه التكاليف. فبصفتها لاعبًا رئيسًا ومُهَيمِنًا في سوق البرمجيات والخدمات التكنولوجية، تحتفظُ “مايكروسوفت” بقدرةٍ فريدة على تحديدِ شروطِ اللعبة. في العديد من الحالات، لا يجدُ المستخدمون خياراتٍ بديلة بسهولة نظرًا لاعتمادهم الكبير على منتجات وخدمات “مايكروسوفت”، مثل نظام التشغيل “ويندوز”، و”أوفيس”، و”أزور” للخدمات السحابية.

تبعًا لذلك، تتمتّعُ “مايكروسوفت” بقوّةٍ تفاوضية أكبر مع عملائها. الشركات والأفراد الذين يعتمدون على مُنتَجات “مايكروسوفت” يجدون أنفسهم مُضطرِّين لقبول شروطها، حتى عندما تتسبّبُ هذه الشروط في نقلِ تكاليف الأخطاء إلى المستخدِمين. هذا يعني أنَّ “مايكروسوفت” ليست مُضطَرَّة لتحمُّل تكاليف كبيرة عن أخطائها لأنها تستطيع نقلها بسهولة إلى مستخدميها.

بشكلٍ خاص، فانَّ الشركاتَ الصغيرة والمُستَخدِمين الأفراد هم الأكثر تأثرًا بقدرة “مايكروسوفت” على تحويلِ التكاليف. هؤلاء المستخدمون لا يمتلكون الموارد أو القدرة على التفاوض مع شركة بحجم “مايكروسوفت”، ما يجعلهم عُرضةً لتحمُّل التكاليف المالية والمعنوية الناتجة عن الأخطاء البرمجية أو التحديثات غير المُستقرّة.

هذه القدرة على تحويلِ التكاليف إلى المُستخدِمين تعني أنَّ “مايكروسوفت” يمكنها أن تستمرَّ في دَفعِ تكاليف الابتكار والتطوير من جيوب العملاء. بدلًا من تحمُّلِ التكاليف الكاملة للأخطاء، تستطيع الشركة استخدام الموارد المالية المُتاحة لتعزيز البحث والتطوير، الأمر الذي يُعزّزُ موقعها التنافسي في المدى الطويل. إنَّ قدرة “مايكروسوفت” على تحمّلِ تكاليف التجربةِ والخطَإِ وتحويلها إلى المُستخدِمين يمنحها حمايةً قوية ضد المنافسة. الشركات الناشئة التي تُحاولُ دخول السوق تواجهُ تحدّياتٍ كبيرة لأنَّ عليها تحمُّل تكاليف التطوير والأخطاء بنفسها، ما يجعل من الصعب التنافس مع عملاقٍ بحجم “مايكروسوفت”.

إنَّ تَحَكُّمَ “مايكروسوفت” القوي في السوق يمنحها أفضليةً كبيرة في تحويل تكاليف الأخطاء إلى المستخدِمين، مما يُقلّلُ من المخاطر المالية عليها ويُعزّزُ قدرتها على الابتكار والنمو. هذا الوضعُ يستدعي ضرورةَ تعزيزِ التشريعات التي تحمي المُستخدِمين وتفرُضُ على الشركات الكبرى تحمّل مسؤولياتها بشكلٍ أكبر لضمانِ توزيعٍ عادلٍ للتكاليف وتعزيز المنافسة العادلة في السوق.

التَعَلُّمُ من التجربةِ والخطَإِ هو عملية يمرُّ بها الأفراد أو الأنظمة لاكتشاف الحلول المثلى من خلال التجريب والممارسة. في هذه العملية، يتمُّ تنفيذُ إجراءاتٍ مختلفة ومراقبة النتائج. إذا كانت النتيجة غير مرغوبة، يتمُّ تعديل النهج أو تغييره وتجربة بديل آخر. تستمرُّ هذه الدورة حتى يتم العثور على حلٍّ فعّال. هذا النهج يُستَخدَمُ على نطاقٍ واسعٍ في تطوير البرمجيات، التعليم، وحتى الحياة اليومية، حيث يساعد على تحسين الأداء وتحقيق الأهداف بمرور الوقت.

د. بيار بولس الخوري ناشر الموقع

يُعد الدكتور بيار بولس الخوري أكاديميًا رئيسيًا وباحثًا بارزًا يتمتع بخبرات واسعة في الاقتصاد السياسي وسياسات الاقتصاد الكلي وإدارة التعليم العالي. يشغل حاليًا منصب أمين سر الجمعية الاقتصادية اللبنانية واكاديمي رئيسي في الجامعة الاميركية للتكنولوجيا، وسبق له العمل كخبير اقتصادي في عدة بنوك مركزية عربية، كما تخصص في صناعة السياسات المالية بمعهد صندوق النقد الدولي في واشنطن العاصمة. ​تتنوع إسهاماته الأكاديمية والتقنية بصفته أستاذًا زائرًا لتكنولوجيا البلوك تشين بجامعة داياناندا ساغار في الهند ومستشارًا في الأكاديمية البحرية الدولية. ألّف الخوري أربعة كتب دولية حول تحولات اقتصاد التعليم العالي، ونشر أكثر من 40 بحثًا علميًا محكمًا، مما يجعله مرجعًا في قضايا مبادرة الحزام والطريق وتداعياتها الجيوسياسية والاقتصادية في منطقة الشرق الأوسط. ​أسس الخوري منصات معرفية رائدة تشمل مركز السياسات والاستشراف المعرفي (مسام)، وموقع الملف الاستراتيجي، وموقع بيروت يا بيروت المخصص للمعرفة وأسواق العمل. كما أطلق بودكاست "حقيقة بكم دقيقة" لمناقشة القضايا الراهنة، وشارك في تأليف سلاسل بحثية هامة تناولت صراعات حوض المتوسط والتحولات السياسية في لبنان عام 2019. ​يظهر الخوري كصوت مؤثر في مئات المقابلات الإعلامية العربية والدولية، حيث يحلل أزمات الاقتصاد اللبناني والإقليمي، ويكتب مقالات رأي في صحف كبرى مثل النهار والجمهورية وأسواق العرب اللندنية. تتركز جهوده حول إصلاح السياسات الكلية ومكافحة الفساد، بالإضافة إلى تطوير التعليم العالي وربطه باحتياجات سوق العمل الحديثة. ​يمتلك الخوري خبرة تقنية رائدة في دمج تطبيقات البلوك تشين في قطاع الأعمال، وقدم تدريبات دولية متخصصة لوزارة الخارجية النيجيرية وشركات في بانغالور. بالاضافة لمسيرة تمتد لثلاثين عامًا في التدريب مع مؤسسات كبرى كشركة نفط الكويت ومنظمة "أوابك". يجمع الخوري بين العمق الأكاديمي والاستشراف العملي كخبير اقتصادي موثوق في العالم العربي.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى