
في السادس عشر من تشرين الأوّل، تطلّ علينا ذكرى ولادة ميخائيل نعيمه، ذاك النبيّ الذي لم يأتِ من صحراءٍ ولا من جبلٍ مقدّس، بل من بلدةٍ صغيرةٍ اسمها بسكنتا، تحوّلت بفضل قلمه وروحه إلى منبرٍ يطلّ منه
لبنان على العالم.
ولد نعيمه عام 1889، وها هو بعد أكثر من قرنٍ على ميلاده، لا يزال صوته يدوّي في ضميرنا، كمن يذكّرنا بأنّ الوطن لا يُبنى بالحجارة بل بالإنسان، ولا يُحفظ بالعصبيّات بل بالمحبّة والمعرفة.
كان نعيمه ابنًا لتاريخٍ متعب، حمل على كتفيه همَّ الشرق وسؤال الإنسان. درس في روسيا وأميركا، لكنّه ظلّ لبنانيَّ الجذور، شرقيَّ الروح، يعبّر عن تلك المسافة المؤلمة بين ما نحن عليه وما يمكن أن نكونه. لم يكن مجرّد كاتبٍ أو شاعرٍ، بل كان في جوهره مشروعَ نهضةٍ روحيّةٍ وأخلاقيّة، يؤمن بأنّ الأدب رسالةٌ لا مهنة، وأنّ الكاتب خادمٌ للحقيقة لا للسلطة.
نعيمه والبحث عن الإنسان
في مؤلّفاته الكبرى، من الغربال إلى مرداد وكتاب جبران خليل جبران: حياته، موته، أدبه وفنّه، نرى نعيمه وهو يفتّش في قلب الإنسان، لا في القواميس. لقد هزّ الأدب العربيّ حين دعا إلى غربلته، أي إلى تنقيته من الزيف والرياء، ليبقى منه الصادق والعميق.
لم يكتب ليُعجب الناس، بل ليُوقظهم. فحين قال: «نحن نعيش لنكسب قوت يومنا، ولكننا ننسى أنّ لنا روحًا تحتاج إلى قوتٍ أيضًا»، كان كمن يضع إصبعه على جرحٍ لا يندمل.
كان ميخائيل نعيمه يرى في الكتابة فعلَ خلاص، وفي الصمت وجهًا آخر للكلمة. أراد أن يحرّر الإنسان من سطوة المادّة، من الغرور والأنانيّة، من صراع الدين والدنيا، وأن يفتح أمامه أفقًا من التأمّل والسكينة. لم يكن ضدّ الدين، بل ضدّ تديّنٍ بلا فهم، وضدّ علمٍ بلا قلب. قال مرّةً: «لا تسألني ما ديني، بل اسألني ما أنا للناس وما هم لي.»
تلك الجملة وحدها تختصر إنسانيّته الواسعة التي لم تعرف حدودًا ولا طوائف.
رسالة إلى لبنان
لبنان في فكر نعيمه لم يكن أرضًا فحسب، بل فكرةً. كان يرى فيه رسالةً من الشرق إلى العالم، تجمع بين الحكمة القديمة وروح العصر. لكنّه كان أيضًا يرى كيف تُهدر هذه الرسالة في صراعاتٍ تافهة، وكيف يُستنزف الوطن في طموحاتٍ صغيرة.
كتب في إحدى مقالاته: «لبنان ليس بحاجةٍ إلى مزيدٍ من السياسيّين، بل إلى مزيدٍ من الحكماء.»
كأنّه كتب هذه الكلمات لأيامنا نحن، حيث اختنق الوطن بين الفساد واللامبالاة.
لو عاش نعيمه اليوم، لصرخ في وجوهنا بأنّ خلاص لبنان يبدأ من الفرد، من تلك الثورة الهادئة في داخل كلّ إنسان حين يختار أن يكون نزيهًا، حرًّا، صادقًا، لا تابعًا. لم يكن سياسيًّا، لكنّه فهم السياسة على حقيقتها: فنّ خدمة الإنسان.
ولذا كان يدعو إلى تربيةٍ جديدةٍ تُنمّي العقل والضمير معًا. حلم بلبنانٍ يقرأ، يُفكّر، يُحبّ، لا لبنانٍ ينقسم ويتقاتل. قال: «لا وطن بلا مواطنٍ حرّ، ولا مواطن بلا إيمانٍ بالكرامة.» وهذه العبارة تختصر فلسفته الوطنيّة، التي ترتكز على الإنسان لا على الحدود.
واليوم، تتردّد أفكار نعيمه في مبادراتٍ لبنانيّةٍ شبابيّةٍ كثيرة: في نوادي الكتاب التي تُعيد للقراءة حضورها، وفي المدارس التي تُدرّس نصوصه كدعوةٍ للتفكير لا للحفظ، وفي الأصوات الثقافيّة الجديدة التي ترى في الأدب رسالة إصلاحٍ لا وسيلة شهرة. لقد أدرك هؤلاء أنّ خلاص لبنان، كما قال نعيمه، يبدأ من تربيةٍ تصنع إنسانًا نزيهًا قبل أن تصنع موظّفًا أو سياسيًّا.
رسالة إلى العالم
حين كتب نعيمه بالإنجليزية في أميركا، كان صوته عربيًّا وإنسانيًّا في آنٍ واحد. نقل إلى الغرب وجه الشرق المضيء، لا الشرق الغارق في الغموض أو العنف، بل الشرق المتأمّل، الحالم، الباحث عن المعنى. أراد أن يبرهن أنّ الروح الشرقيّة قادرة على محاورة الفكر الغربيّ، لا على الانغلاق دونه.
وفي زمنٍ كانت فيه الحروب العالميّة تفتك بالبشر، رفع نعيمه قلمه كمن يرفع صلاةً. دعا إلى السلام، إلى وحدة الروح الإنسانيّة، إلى محبّةٍ لا تُفرّق بين إنسانٍ وآخر. قال في إحدى تأمّلاته: «لا خلاص للفرد إلا بخلاص الجميع.»
وهذه الجملة وحدها كفيلة بأن تجعل منه فيلسوفًا عالميًّا سبق عصره بأجيال.
لقد كان في جوهر فكره نداءٌ كونيّ: أن الإنسان واحد، وأن الحقيقة لا تُختزل في دينٍ أو مذهبٍ أو وطن. كانت رسالته أشبه بجسرٍ بين الشعوب، بين الأرض والسماء، بين الكلمة والصمت.
ولعلّ أجمل ما ورّثه لنا ليس مؤلّفاته فحسب، بل طريقته في النظر إلى الحياة: نظرة الشاكر الهادئ الذي يرى في الألم معنى، وفي الموت عبورًا لا نهاية.
بين الصمت والخلود
عاش نعيمه حياةً بسيطةً في بسكنتا بعد عودته من المهجر، لكن صمته كان أبلغ من الكلام. لم يطلب شهرةً ولا مالًا، بل اكتفى بأن يزرع في القلوب بذور التأمّل. وحين رحل عام 1988، كان قد ترك خلفه إرثًا لا يُقاس بالكتب وحدها، بل بالأرواح التي أيقظها.
قال يومًا: «إذا أردتَ أن تعرفني، فاقرأني حين تسكت.»
تلك العبارة تختصر ما تبقّى من حكمته؛ إذ إنّ الرجل الذي كتب عن البدائع والطرائف والنور والرماد، أدرك أنّ الإنسان الحقيقيّ لا يُقاس بما يقول، بل بما يُنير في الآخرين.
إرث نعيمه اليوم
اليوم، ونحن نعيش في عالمٍ يضجّ بالصراخ والسرعة، يبدو نعيمه كأنّه نبيّ الصمت. دعوته إلى التأمّل والصفاء لم تكن ترفًا روحيًّا، بل علاجًا لمرض العصر. لقد سبق عالمنا الرقميّ حين حذّر من فقدان الذات وسط الضجيج، ودعا إلى العودة إلى الداخل، إلى الإنسان فينا قبل أن نبحث عنه في الخارج.
في لبنان اليوم، حيث اليأس يخيّم على النفوس، تظلّ كلمات نعيمه منارةً خالدة:
«سيبقى لبنان ما بقي فيه إنسانٌ يرى الله في وجه أخيه.»
هكذا، في ذكرى ولادته، لا نحتفي بذكرى رجلٍ مضى، بل بفكرةٍ لا تموت. ميخائيل نعيمه هو ضمير لبنان الناطق، وضمير الإنسانيّة الباحث عن ذاتها. ترك لنا مرآةً ننظر فيها فنرى وجوهنا على حقيقتها، وأجنحةً نحاول بها أن نرتفع فوق تراب الخلاف والأنانيّة.
لقد كان يؤمن بأنّ كلّ إنسانٍ قادرٌ أن يكون شاعرًا للحياة، إن أحبّها بصدقٍ وفهمها بعمق. وها نحن بعد أكثر من مئة عام، ما زلنا نحاول أن نفهم سرَّ هذا الرجل الذي أضاء لنا الطريق ثم اختفى في ضوءه.
واليوم، أمام انهيار القيم، وانحسار الثقافة، وانقسام العالم إلى كتلٍ من الخوف، يبدو فكر نعيمه أكثر إلحاحًا من أيّ وقتٍ مضى. فدعوةُ الرجل إلى المحبّة، والصدق، والنقاء، تصلح أن تكون دستورًا روحيًّا لعصرٍ تائهٍ في مادّيّته.
ولعلّ أجملَ وفاءٍ لنعيمه أن نحملَ مشعلَ فكره في ظلمةِ هذا الزمن، لننيرَ طريقَ الأجيالِ القادمة.




