ازمة لبنانالاحدث
17 أيار جديد؟ لبنان بين التفاوض والنار | بقلم العميد الركن المتقاعد جورج جاسر

يثير تعيين السفير السابق سيمون كرم في لجنة “الميكانيزم” أسئلة جوهرية حول الاتجاهات السياسية المقبلة، لا سيّما أنّ الرجل يُعدّ من الشخصيات المتمرّسة في الملفات التفاوضية الحسّاسة كسفير سابق للبنان في أميركا. هذا التعيين، في توقيته ودلالاته، فتح الباب أمام تأويلات واسعة حول ما إذا كانت البلاد تدخل
مرحلة إعادة صياغة لخياراتها الاستراتيجية.
لا يمكن فصل هذا التطوّر عن ذاكرة اللبنانيين مع اتفاق 17 أيار 1983، الذي وُلد تحت الضغط العسكري والسياسي. ولذلك يبرز سؤال مشروع: هل نحن أمام صيغة جديدة من ذاك الاتفاق، تُطبخ تحت وطأة العدوان، ولكن بأدوات دبلوماسية أكثر هدوءًا وأكثر قابلية للتسويق داخليًا؟
جاء تعيين السفير كرم في توقيت بالغ الحساسية، إذ يسبق انتهاء مهلة الإنذار الدولية للبنان (60 يومًا) مع مطلع العام الجديد. هذا التزامن يعطي التعيين وزنًا سياسيًا إضافيًا، ويشير إلى أن الدولة اللبنانية بدأت تتعامل بجدّية مع الاستحقاق التفاوضي، مستعدة لفتح قناة رسمية قبل انتهاء المهلة، سواء لاحتواء التصعيد أو بلورة موقف رسمي يمكن البناء عليه استراتيجياً ودولياً.
يستحضر الحديث عن أي تفاوض تحت النار اتفاق 17 أيار، الذي وقعته الحكومة ومجلس النواب باستثناء رئيس الجمهورية. فشل الاتفاق حينها لأسباب عدة: غياب التوازن السياسي الكامل، فقدان الشرعية الشعبية، عدم مشاركة البيئة الشيعية الصاعدة، وطابع الاتفاق كترجمة لإرادة الاحتلال، ما جعله يبدو مفروضًا لا خيارًا سياديًا. اليوم، رغم تشابه الظروف الأمنية الظاهرية، تغيّرت المعادلة: القوى الشيعية ممثلة داخل الدولة ويبدو أنها موافقة على مبدأ التفاوض، والدولة تمتلك غطاءً داخليًا وخارجيًا. التفاوض أصبح وسيلة لإدارة الأزمة وليس تنازلًا سياسيًا، كون البيئة الشيعية ما زالت تمتلك السلاح وقادرة على فرملة أي اتفاق لا يناسبها.
الفارق اليوم أنّ لبنان ما زال يحتفظ بهامش قرار داخلي وغطاء دولي واسع، ما يجعل التفاوض أقرب إلى محاولة إدارة الأزمة من أن يكون اتفاقًا مفروضًا.
المفاوضات في ظل تصاعد الأعمال العدائية تحمل خطر الإكراه، لكنها الوسيلة الوحيدة لضبط التصعيد وتحويله إلى عنصر سياسي قابل للإدارة وإرضاء المجتمع الدولي. مع اقتراب انتهاء مهلة الستين يومًا، يصبح فتح قناة تفاوضية ضرورة لتقليل المخاطر، وإعطاء الدولة إطارًا رسميًا لتلبية الحد الأدنى من المطالب الدولية دون الخضوع للضغط العسكري فقط.
الدولة اللبنانية، مع تبنيها لمبدأ حصرية السلاح، ملزمة بأن تكون هي المفاوض الرسمي، خصوصًا إذا كانت نيتها البدء بالمفاوضات المباشرة. هذا يختلف عن تجربة المفاوضات السابقة بين الطائفة الشيعية وإسرائيل عبر المندوب الأميركي بعد الحرب المدمرة على المقاومة في العام 2024، والتي لم تُحترم من الجانب الإسرائيلي. اليوم، الحضور السياسي الشيعي عامل مقرر، وأي اتفاق لن ينجح دون حد أدنى من قبولها. هذا لا يعني أنها ترسم المسار، بل تشارك في تحديد سقف المسموح والمرفوض، خصوصًا مع استمرار القصف اليومي على مناطقها. الدولة لا تستطيع فرض اتفاق لا تقبله هذه القوى، وفي المقابل لا يمكن للبيئة الشيعية فرض اتفاق منفرد خارج القرار الوطني.
لا يأتي تعيين كرم بمعزل عن السياسة الداخلية. فرئيس الجمهورية أجرى مشاورات مكثفة مع الرؤساء الثلاث لضمان توافق واسع على تعيينه دون تحديد مهمة واضحة معلنة، ما يمنح عملية التعيين توطئة لمفاوضات تم الاتفاق عليها خلف الكواليس. هذه المفاوضات، في حال البدء بها، تمنحها شرعية وطنية أولية، وتؤكد استعداد القوى اللبنانية الكبرى للمشاركة في عملية تفاوضية منظمة، ولو على مستوى المبادئ وليس النتائج النهائية.
السفير كرم شخصية دبلوماسية هادئة، قادرة على إدارة حوار تقني–سياسي معقد دون إثارة حساسيات داخلية. خبرته الطويلة في الملفات الدبلوماسية والدولية تمنحه موقعًا مناسبًا للمرحلة الحالية، حيث المطلوب واجهة تفاوضية مقبولة أكثر من صانع اختراقات كبرى. دوره محوري في تثبيت خط تفاوض مستدام، ولو لم تُحسم جميع مواضيع التفاوض بعد.
بالرغم من أن وقف إطلاق النار يبقى الهدف الأهم، إلا أن الملفات الأخرى المتوقعة تشمل تسليم السلاح للدولة كأحد البنود الأساسية في المفاوضات، ترسيم الحدود البرّية بالكامل، ترتيبات أمنية جنوبية، تثبيت وقف النار ضمن ضمانات دولية، وملفات إنسانية واقتصادية مرتبطة بالنازحين وإعادة الإعمار. أي مقاربة بديلة مثل “استراتيجية دفاعية مشتركة” غير مقبولة دوليًا وإسرائيليًا، ما يجعل بند السلاح محورًا حاسمًا في نجاح المفاوضات.
نجاح المفاوضات ليس مضمونًا، لكنه ممكن إذا توفرت ثلاثة شروط: تماسك القرار اللبناني، قبول القوى الشيعية بالحل السياسي، والتزام دولي جدي بوقف الأعمال العدائية. في حال تحقق ذلك، يمكن للمفاوضات أن تحد تدريجيًا من التصعيد وتحول التفاوض إلى أداة لإدارة أزمة ناجعة ووضع البلاد على سكة التعافي. أما إذا سقط أي شرط، فستتحوّل المفاوضات إلى إدارة مؤقتة، ويبقى الميدان هو الحاكم، مع احتمال تكرار سيناريو 17 أيار في نسخة أشد تعقيدًا. لبنان اليوم أمام اختبار تفاوضي حاسم: إمّا تهدئة منظمة، أو مواجهة متجددة في العام الجديد.




