ازمة لبنانالاحدث
كمال جنبلاط ووليد جنبلاط: بين عروبة الحلم وعروبة الواقع| بقلم فاروق غانم خداج

في مسار التاريخ اللبناني والعربي، تقف عائلـة جنبلاط بوصفها إحدى الركائز الفكرية والسياسية التي أسهمت في صياغة الوعي الجمعي، وفي توجيه مسار الأحداث خلال حقب مضطربة. هذه العائلة التي ورثت الزعامة الجبلية لم تكتفِ بدور اجتماعي محلي، بل حملت رسالات فكرية وسياسية عابرة للحدود. وإذا كان كمال جنبلاط قد مثّل في النصف الثاني من القرن العشرين صورة المفكر ـ الزعيم الذي جمع بين الفلسفة والسياسة، فإن وليد جنبلاط جسّد لاحقاً براغماتية سياسية وُلدت من رحم التجربة والواقع. هكذا نتأمل انتقال العروبة عند الجنبلاطيين من مرحلة الحلم المثالي إلى مرحلة الممارسة الواقعية.
كمال جنبلاط: عروبة الروح والفكر
وُلد كمال جنبلاط عام 1917 في المختارة، وسط جبل الشوف، في بيت مشبع بروح الزعامة والإرث التوحيدي. غير أن شخصيته لم تُصغها التقاليد وحدها، بل صاغها العلم والثقافة والفلسفة. درس في الجامعة اليسوعية، ثم قصد السوربون حيث نهل من الفلسفة وعلم الاجتماع، ليعود إلى لبنان حاملاً مشروعاً حضارياً لا يقتصر على طائفة أو حزب.
أسّس عام 1949 الحزب التقدمي الاشتراكي، واضعاً في ميثاقه مبادئ العدالة الاجتماعية والتعددية الفكرية والإنسانية الجامعة. كان يرى في العروبة امتداداً طبيعياً للهوية اللبنانية، وليست قيداً أو إطاراً ضيقاً. بالنسبة إليه، لبنان جزء لا يتجزأ من محيطه العربي، والعروبة ليست شعاراً سياسياً فحسب، بل مشروع ثقافي وحضاري وأخلاقي.
عُرف كمال جنبلاط بكتاباته الغنية، من نحو مجتمع جديد إلى أدب الحياة وهذه وصيتي. في هذه النصوص نلمس شغفه بالحرية والعدالة، وإيمانه بأن العروبة مشروع للنهضة، يحمل القيم الروحية والفكرية التي تتجاوز حدود الدولة القُطرية. لقد حلم بعالم عربي يقوم على الديمقراطية الحقيقية، والعدالة الاجتماعية، وتحرير الإنسان من الاستبداد والفقر.
لكن مثالية كمال جنبلاط اصطدمت بواقعٍ سياسي متشابك. انخرط في الحرب الأهلية اللبنانية بصفته قائد الحركة الوطنية، فكان صوته مدوياً ضد الطائفية وضد التبعية. وقد دفع ثمن مواقفه باغتياله عام 1977، ليغدو رمزاً للشهادة من أجل فكر لا يموت.
وليد جنبلاط: براغماتية السياسة في زمن الأزمات
حين اغتيل كمال جنبلاط، كان وليد جنبلاط في بدايات شبابه، ليجد نفسه فجأة أمام مسؤولية جسيمة: حماية الجبل والطائفة والدور السياسي لعائلة جنبلاط. لم يكن أمامه وقتٌ لصياغة نظريات أو الانغماس في الفلسفة، بل وجد نفسه في قلب العاصفة.
تميّز وليد جنبلاط بقدرة استثنائية على قراءة التوازنات، والتكيّف مع التحولات السريعة في الإقليم والعالم. ففي زمن الحرب الأهلية وما بعدها، لم يكن ممكناً الانتصار لمثاليات مطلقة، بل كان لا بد من مقاربات واقعية تضمن البقاء والاستمرار. وهكذا انتقلت الزعامة الجنبلاطية من “عروبة الحلم” إلى “عروبة الواقع”.
ظل وليد جنبلاط متمسكاً بالهوية العربية للبنان، لكنه أعاد تعريفها على ضوء المتغيرات. ففي حين رأى والده العروبة مشروعاً فلسفياً متعالياً على الحدود، تعامل وليد معها باعتبارها شبكة مصالح وتحالفات تفرضها الجغرافيا السياسية. فهو في علاقته بسوريا مثلاً تأرجح بين التحالف والاعتراض، محاولاً دوماً أن يحفظ خصوصية الجبل ولبنان ضمن الإطار العربي الأشمل.
كان صريحاً في اعترافه بأن السياسة ليست أخلاقاً مجردة بل فن الممكن. وبرغم الانتقادات الكثيرة التي وُجهت إليه، فقد استطاع أن يحافظ على حضور طائفته ودورها، وأن يبقى رقماً صعباً في المعادلة اللبنانية والعربية.
العروبة بين المثالية والبراغماتية
هنا يكمن جوهر المقارنة: كمال جنبلاط مثّل “عروبة الروح”، بينما مثّل وليد جنبلاط “عروبة الجسد”. الأول حلم بمجتمع عربي عادل، متحرر من القيود، مسكون بالقيم الروحية، أما الثاني فتعامل مع العروبة باعتبارها إطاراً يحفظ التوازنات ويمنع الانهيار.
في فكر كمال جنبلاط، العروبة هي رسالة إنسانية كونية. وفي ممارسة وليد جنبلاط، العروبة ضرورة جيوسياسية لحماية الكيان اللبناني. وبين الحلم والواقع، يستمر إرث الجنبلاطيين كمرآة لرحلة العرب أنفسهم: من المثاليات الثورية في منتصف القرن العشرين، إلى صعوبات البقاء في عالم متقلب مطلع القرن الحادي والعشرين.
أثر التجربتين في الواقع اللبناني
لا يمكن فهم لبنان الحديث من دون قراءة هذا التحول الجنبلاطي. لقد أثّر كمال جنبلاط في النخب والمثقفين والحركات الوطنية، فيما أثّر وليد جنبلاط في التوازنات السياسية اليومية وصناعة القرار. وإذا جمعنا التجربتين معاً، نرى لوحة متكاملة: الفكر الذي يحلم، والسياسة التي تُدير.
إن حضور كمال جنبلاط باقٍ في ضمير المثقفين والطلاب والباحثين، بوصفه شهيد الفكر والحرية. أما وليد جنبلاط، فيبقى حاضراً في الذاكرة السياسية كزعيمٍ استطاع أن يحافظ على تماسك طائفته في أصعب الظروف.
خاتمة: شعلة لا تنطفئ
بين كمال ووليد، تتجلى قصة لبنان والعرب: صراع بين المثاليات والضرورات، بين الحلم والواقع. ولعلّ سرّ استمرار هذه العائلة يكمن في قدرتها على أن تكون جسراً بين هذين العالمين. فالعروبة التي حملها كمال جنبلاط لم تمت باغتياله، والعروبة التي أعاد وليد جنبلاط تشكيلها لم تفقد بعدها الأخلاقي.
إنها شعلة واحدة، رُسمت بريشة رجلين، أحدهما عاش الحلم حتى الاستشهاد، والآخر حمل الأمانة وسط العواصف. وبين الاثنين، يبقى السؤال مفتوحاً: أي عروبة نحتاج اليوم؟ عروبة الحلم التي تلهم الأجيال، أم عروبة الواقع التي تحفظ الكيانات؟
مهما كان الجواب، فإن مسيرة الجنبلاطيين تذكّرنا بأن الهوية العربية ليست مجرد شعار سياسي، بل هي بحث دائم عن معنى الحرية والعدالة والكرامة. وهي، في النهاية، قدر مشترك لا يمكن للبنان أن ينفصل عنه، ولا للعرب أن يتجاهلوه.




