ازمة لبنانالاحدث

الحوكمة الأصيلة سبيل النهضة | بقلم الأب ألبر حبيب عسّاف

تتنازع الصالح في عالم اليوم، وتتبدّل فيه الولاءات بتبدّل المنافع، تضيع فكرة الحوكمة الأصيلة، تلك التي لا تُقاس بموازين الربح والخسارة، بل تُبنى على مبادئ العدالة، والمساءلة، والغاية المشتركة في خدمة الخير العام.
إنّ الفرق الجوهري بين الحوكمة التي تُصاغ لخدمة المصالح الخاصة، وتلك التي تُبنى لمصلحة الجماعة، يكمن في النية التأسيسية:
فالأولى تجعل من الدولة شركة مساهمة، ومن المواطن رقماً في معادلة السلطة،
أما الثانية، فهي تصنع من الإنسان قيمة، ومن الدولة بيتًا مشتركًا للكرامة.
لقد تعرّضت هذه العقيدة، أي عقيدة الخير العام، لحربٍ منهجية تستهدف ركائزها الفكرية والتربوية، من خلال ضرب صورة المفكّر والمعلم والأم، وهي الرموز الثلاثة التي تؤسس الوعي وتبني الوجدان وتضمن استمرارية المجتمع في اتجاه الصلاح.
ولطالما قال لي أستاذي في المدرسة: إنّ المؤامرة الكبرى على لبنان كانت في ضرب مستواه التعليمي بعدما كان رياديًا في الشرق الأوسط.
وقد لمستُ ذلك بنفسي عندما صرتُ أُدرّس في الجامعة، إذ كانت تصلنا أجيال من الشبيبة تحمل في كل سنة إشراقة تَعدُ بمستقبلٍ أفضل، قبل أن تتراجع المستويات وتغيب الرؤية التربوية الوطنية تحت وطأة الفوضى والمصالح الضيقة.
فحين يُهان الفكر، ويُهمّش التعليم، وتُستضعف الأمومة، ويُرقّى من لا يستحق … يصبح المجتمع هشًّا أمام كلّ العواصف الفكرية والإيديولوجية والاجتماعية التي تفتك بمناعته الأخلاقية والثقافية.
إنّ استعادة مفهوم الحوكمة الأصيلة في لبنان اليوم، تتطلب حركة وعيٍ وطني لا تُبنى على ردّات الفعل، بل على استفتاء شعبي يعيد تحديد هوية الكيان ووجهته.
استفتاءٌ لا يُراد به تعديل نصٍّ أو تبديل سلطة، بل تأسيس كيانٍ متجدّد من ذاته، كيانٍ يضع الشعب في مركز القرار، ويُعيد تعريف العقد الاجتماعي بما يتناسب مع كرامة المواطن، لا مع مصالح الفئات المتحاصصة.
إنّ ما يُضعف لبنان اليوم ليس فقط الفساد السياسي ولا المحاصصة الطائفية وحسب، بل غياب عقد اجتماعي جامع يؤمن بأنّ الدولة ليست ساحة صراع بين الطوائف، بل إرادة مشتركة لبناء وطن.
فالحوكمة الأصيلة لا تُختصر في الشفافية أو المساءلة الإدارية، بل هي منظومة قيمية تعيد الثقة بين المواطن ومؤسسات الدولة، وتؤسس لثقافة المشاركة والمسؤولية المشتركة.
وهذا لا يتحقق إلا عبر إصلاح تربوي وثقافي عميق، يُعيد للمدرسة والجامعة دورهما في تكوين المواطن، لا التابع. فالتعليم هو السياسة الأولى في بناء الأمم، وهو الشرارة التي تُطلق النهضة قبل أي إصلاح اقتصادي أو دستوري.
إنّ لبنان مدعو اليوم إلى إعادة صياغة ذاته من الداخل، عبر تجديد العقد الأخلاقي بين أبنائه، ليصبح الكيان انعكاسًا حيًّا لروح العدالة، لا مسرحًا لتنازع المصالح.
إنّ لبنان، بواقعه المأزوم سياسيًا واقتصاديًا وأخلاقيًا، يحتاج إلى قاعدة صلبة تُبنى على مبادئ الحياد، والعدالة، والمشاركة، والشفافية.
قاعدة لا تتغيّر مع تغيّر الظروف أو تصاعد الأهواء، لأنّها متجذّرة في فكرة الوطن كوطنٍ لكلّ أبنائه، لا كغنيمةٍ يتناوب عليها أصحاب النفوذ.
فهل تُبصر النهضة اللبنانية إذًا مشروعًا للحوكمة الأصيلة:
نهضة تبدأ بإعادة الاعتبار للعقل المفكّر، وللمعلم كحامل للضمير الوطني، وللأم كحاضنة للقيم، وتنتهي بإقامة دولة يكون فيها المواطن محور القرار، والإنسان غاية السياسة، والعدالة ميزان الحكم.

الأب ألبر حبيب عسّاف

كاهن ماروني، حائز على بكالوريوس في الفلسفة وبكالوريوس في اللاهوت ودكتوراه في القانون الكنسي والمدني من جامعة اللاتران الحبرية في روما. شغل سابقًا مهامًا أكاديمية وقضائية وثقافية متعددة، منها التدريس في الجامعة اليسوعية في مواد قانون العمل وعلوم الأحياء الحيوي، والتدريس في الجامعة الأنطونية في مادة القانون الكنسي، كما تولّى منصب قاضٍ في المحاكم الكاثوليكية في لبنان. وهو مؤسس فرع الشوف لجامعة سيدة اللويزة، وعمل سابقًا في إذاعة الفاتيكان، إلى جانب خبراته الواسعة في الأعمال الرسولية والرعوية في أوروبا وعدد من البلدان العربية. ويتقن عدة لغات حديثة تشمل الألمانية والإنكليزية والفرنسية والإيطالية، إضافة إلى اللغات القديمة مثل السريانية واللاتينية واليونانية.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى