الاحدثفلسطين

الغرب وسقوط الخرافة | بقلم السفير رشاد فراج الطيب

ثمانون عاماً مرّت منذ أن أصدرت الجمعية العامة للأمم المتحدة قرارها رقم (181) في عام 1947، القاضي بتقسيم فلسطين ومنح الغزاة المستوطنين دولة على حساب السكان الأصليين أصحاب الأرض. كان ذلك القرار نقطة البداية لمأساة ممتدة، جرى تمريرها بتواطؤ غربي غاية في اللؤم، وبحماية كاملة لمشروع استعماري استيطاني أرادوا له أن يكون فوق القانون الدولي.

لقد بذل الغرب، بسخاء غير محدود، كل ما في وسعه لدعم قيام الكيان الإسرائيلي، سياسياً وعسكرياً واقتصادياً، وضَمِن له التفوق المطلق في المنطقة. ومن خلال هيمنته على القرار العالمي، حرص على أن يكون هذا الكيان الاستعماري بمنأى عن أي مساءلة، فوق كل قوانين العدالة الدولية.

لكن اليوم، وبعد ما جرى في غزة من إبادة جماعية وتجويع وتهجير قسري تحت سمع العالم وبصره، وتحت مظلة الحماية الغربية، تغيّرت المعادلة. فقد صحا ضمير الشعوب الحرة وخرجت إلى الشوارع لتكسر قيد الصمت، تندد بجرائم الاحتلال وتستجيب لنداء الحرية القادم من فلسطين.

وفي مواجهة هذا التحول الشعبي، سارعت قوى الاستكبار نفسها ـ بريطانيا وفرنسا ومن تبعهم ـ لتدارك عوراتها، فهرولت نحو الاعتراف الشكلي بدولة فلسطينية على الورق. محاولة يائسة لتجميل صورتها وتبييض سجلها الأسود في رعاية الظلم وشرعنة الاحتلال.

إن التواطؤ الغربي لم يعد خافياً، بل انكشف على حقيقته: ازدواجية معايير، نزعة استعمارية متجددة، خواء أخلاقي، وفشل منظومات دولية رعتها هذه القوى عقوداً طويلة. لقد تجاوز الأمر مجرد فضح السياسات، ليكشف عن انهيار الأساس الأخلاقي الذي طالما تباهى به الغرب.

لقد سقطت خرافة الحضارة الغربية التي طالما تغنت بالأخلاق والمواثيق والقوانين الدولية. لم يعد مقبولاً أن يحدثونا عن الديمقراطية الليبرالية، ولا عن احترام حقوق الإنسان، ولا عن سيادة القانون. كل ذلك انهار أمام مشاهد الدم والدمار في غزة، وأمام صمتهم المطبق على جرائم الاحتلال.

سقطت خرافة الغرب التي بشر بها منظّروه، أمثال فرانسيس فوكوياما، وهو يتحدث عن “نهاية التاريخ” و”الرجل الأخير” الذي أنجز حضارة كاذبة. فإذا بها حضارة ذات ضمير ميت، ومعايير مزدوجة، وانحياز مطلق للمستعمر والجلاد.

لقد آن لهذه الخرافة أن تُدفن إلى الأبد. أما الغرب المتغطرس، فليذهب إلى الجحيم.

السفير رشاد فراج الطيب السراج

السفير رشاد فراج الطيب السراج. دبلوماسي. وباحث مهتم بالشؤون الدولية والتحولات الجيوسياسية في الشرق الأوسط وأفريقيا.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى