النهوض بلبنان يتطلّب إطلاق ورشة إصلاحات حقيقيَّة | بقلم العميد المتقاعد د. عادل مشموشي

لقد بادر كل من فخامة رئيس الجمهورية ودولة رئيس مجلس الوزراء في إطلالتيهما التلفزيونية مؤخَّراً الى عرض تقييمي لأدائهما خلال العام الفائت، وقد أشار كل منهما على ما اعتبره من قبيل الإنجازات، وتبرير القصور عن تحقيق ما كان متوقَّعاً، وإذ نُثَمِّنُ عالِيًّا محاولتيهما إجراء جردة تقييميَّة لأداء السلطة على امتداد العام الفائت، وهذا إن دلَّ على شيء فيدُلُّ على تحليهما بالحد الأدنى من الشَّفافِيَّةِ والحس بالمسؤوليَّةِ تجاه واجباتهما الوطنيَّة بحكم موقع كل منهما، وحبذا لو أن كافَّة الوزراء أجروا جردة تقييميَّة لأدائهم ونشروها على المواقع الإلكترونيَّة الخاصَّة بالوزارات التي يتولون شؤونها، لكي يكون المواطن على بيِّنة مما يقوم به المولجون بإدارة شؤون الدَّولة ووزاراتها.
إن عملية تقييم الأداء هي منهج تحليلي هادفٌ لتطوير الأداء من خلال تقويم الانحرافاتِ وتجنُّب الإخفاقاتِ مُستقبلاً، إلَّا أنها ما لم تُستتبعَ بورشةٍ إصلاحيَّةٍ تتحوَّلُ إلى مشهدٍ استِعراضِي يُسهِمُ في إدامَةِ الواقِع القائم. من هنا نرى أن المرحلة القادمةَ تفرضُ القيام بنقلةٍ نوعيَّةٍ لا تقتصرُ على تقييم الماضي وإلقاء التَّبعاتِ على من أوصلوا الدَّولة إلى ما هي عليه فقط، إنما الأهمُّ من ذلك يكمنُ في إطلاقِ ورشَةِ إصلاحٍ حقيقيَّةٍ شامِلةٍ ومُتكامِلة، تبدأ بخطواتٍ عمليَّةٍ ملموسة كمعالجةِ معضلات الكهرباء والماء والمصارف وإيداعات المواطنين وغيرها، وما أحوجنا للبدءِ بإصلاحٍ القِطاعِ العام كنقطَةِ انطِلاقٍ للنُّهوضِ بالدَّولَة من كبوتها.
إن دعوتنا اليوم إلى إطلاقِ ورشة إصلاح ليسَت مُجرَّدَ تَعبيرٍ عن طُموحٍ فردي ولا استجابَةً لضَغوطٍ ظَرفِيَّة، بل هي نابعةٌ من قناعتنا بأنها استحقاقٌ داهِمٌ تمليه الوقائعُ والمُستجدات ومعاناة المواطنين، لأن الدولةَ التي تعجزُ مؤسَّساتُها عن أداءِ وظائفِها الأساسِيَّة، والتي يتحوَّلُ فيها القِطاعُ العام من أداةٍ تنفيذيَّةٍ إلى عِبءٍ ثقيل، لا تملُكُ ترفَ الانتِظارِ أو الاكتفاء بمجرَّدِ إدارة الانهيار. ذلك أن ما نعيشه اليوم هو لحظَةٌ فاصِلَة: فإما أن نباشرَ فوراً بإعادة بناء الدَّولَةِ والكفِّ عن المماحكات والمناكفات السياسيَّة، وإما القُبولُ الضُّمنِيُّ بعجزنا عن بناء دولة.
إن جَوهَرَ الأزمَةِ المعيشيَّةَ التي يعاني منها المواطنون في لبنان لا يكمُنُ فقَط في الاختِلالاتِ الاقتصاديَّةِ أو المالِيَّةِ أو النَّقدِيَّة، ولا في شُحِّ الموارِد، بل في العَجزِ البُنيَوي لمؤسَّساتِ الدَّولَةِ عن مواكَبَةِ مُستلزماتِ التَّحديثِ وفي طليعتها التَّخطيطُ وإدارةُ الأزماتِ والمُساءلَة وحسن التَّنفيذِ. وخيرُ دليلٍٍ على هذا العجزِ هو حالة التَّرهُّلِ في القِطاعُ العام حيث يتبلورُ سوءُ الأداءِ بأوضَحِ صوَرِه، وليس هناك أوضحُ من مؤشِّراتِ الخلل في هذا القطاع المُنهكِ المُثقلِ براديكاليَّتِهِ وبيروقراطيَّة، وهو رغم تضَخُّمِهِ يُعاني من ضعفٍ في الانتاجيَّة، ونقصٍ حادٍّ في الكفاءات، ورغم قصوره عن تلبية حاجاتِ المواطنين ترى معظَمَ العاملين فيه يتخلفون عن الحُضورِ إلى مراكزِ عَملِهِم وإنتاجيَّتهم محدودة لعدمِ توفُّر الكَهرباء وربما الحد الأدنى من المُستلزمات المكتبيَّة.
إن الانهيار المالي والنَّقدي لم يُنشِئا أزمَةَ القِطاعِ العام، بل كشفاها وعَرَّيا مُسبِّبيها الذين أطاحوا بمنظومَة الرَّواتِب واعتمدوا بدائل لا تراعي مبدأي الانصاف والعدالة، الأمر الذي أدّى إلى نَسفِ الاستِقرارِ الوَظيفي، وتجريدِ الوظيفَةِ العامَّةِ من مَعناها المِهني والاجتِماعي ومن بُعدَيها الأخلاقي والوطني. لهذه الاعتباراتِ أضحى حضورُ الموظَّفين شكلياً وبلا إنتاجِيَّة، حيث الإدارات تعمل بأقل من نُصفِ طاقتِها، والمُعاملاتٌ عالِقَة، والقراراتُ مؤجَّلة، والاستنسابيَّةُ طاغية، الأمر الذي أعدمَ ثقةَ المواطِنِ بالدَّولةِ وليس فقط بالقطاع العام. وأخطرُ ما في الأمر هو تَطبيعُ المواطنين وجعلهم يتعايشون مع هذا الواقِع المرير كما يتعاملون مع انقطاع الكهرباء والمياه وشلل القطاع المصرفي… إلخ، بدلاً من أن ينكبَّ المسؤولون على معالجةِ مَكامنِ الخَللِ وأسبابه.
إن إطلاقَ ورشَةَ إصلاحٍ حَقيقِيَّةٍ يَقتضي أولاً الاعتِرافِ بأنَّ إصلاح مؤسَّساتِ الدَّولةِ ليس أمراً تِقنِيًّا يمكن عزله عن السِّياقِ السِّياسي، ولا مسألةً إدارِيَّةً ثانويَّة، بل هو قَرارٌ سِيادِيٌّ بامتياز، ذلك لأن الدولة التي تَعجزُ عن إصلاحِ إداراتِها، غير قادرةٍ على إصلاحِ اقتِصادِها ومالِيَّتِها وتفعيل مُختلِفِ مَرافِقِها، كما عن حِمايَةِ مواطِنيها من مَخاطِرِ الفسادِ والتَّفَلُّت، ومن هنا، تنبعُ ضرورةُ إدراجِ الإصلاحِ في صَلبِ الأولوياتِ الوطنيَّة، كما في مُستهلِّ أيِّ مَشروعٍ جَدٍّي لإعادَةِ بِناءِ الدَّولَة لا على هامِشِه.
إن الغايَةَ من الورشَةِ الإصلاحِيَّةِ التي نُنادي بها، ينبغي أن تكون واضِحَةً جلِيَّةً منذ البدايَة، لأن الغموضَ في مثل هذه المسائل مآلُهُ الفَشل. المطلوب إذن مبادراتٌ إنقاذيَّةٌ نهضويَّةٌ وليسَ التَّعايُشُ مع أزمَةِ القِطاعِ العام، بدءاً بإعادَةِ تَحديدِ دورِهِ ووظيفَتِه في بناءِ الدَّولة وخِدمةِ مواطنيها. المطلوبُ بناءُ قطاع عام قادر، منتج، يؤمّن استمرارية المرافق العامَّة، ويقدّم خدماتٍ ذاتِ جودة، ويَستعيد ثقة المواطن بالدولة، وهذا لا يتحقَّقُ عبر إجراءات شكليَّةٍ أو عبر استبدال أشخاص بآخرين، بل عبر إعادة هندسة شاملة للإدارة العامة وفق منطقِ المساءلة والمُحاسبة وفعاليَة الأداء وجودةِ الخدمات.
إن القطاعَ العام لا يمكن أن يبقى ملجأ للفاشلين، ولا ساحَةً لتَصفِيَةِ الحِساباتِ السِّياسِيَّة ولا أداةً لتقديم الخدماتِ وتبادُلِ المنافع، بل يجب أن يعودَ إلى تمايُزِه من حيث كفاءة العاملين فيه، وجودةِ الخدماتِ التي يُقدِّمُها، وتكافؤ الفرص أمام الجميع، والحياديَّةِ عن الانتماءات السياسيَّة، وتغليبِ المصلحةِ العامَّة على أيَّةِ اعتِباراتٍ أخرى، وهذا يوجبُ مُعالجاتٍ جذريَّةٍ للاختِلالاتِ المُتراكِمة، بدءاً بالتَّخلُّصِ من التَّرهّلِ الإداري والمركزية المفرطة، التَّوظيف العشوائي والتعاقُدِ خارِج معايير الكفاءة، والتَّركيزِ على التوصيف الوظيفي، وتقييم الأداء، وتفعيل التَّدريب المُستدامِ والمتخصِّص لتنميةِ القُدُراتِ والمَهارات… إلخ..
إن المسار الإصلاحي الجديّ لا يمكنُ أن يقوم على النُّصوص وحدها، فالقوانين موجودة في مُعظمها، والأطرُ التنظيميَّةُ لم تَنعدِم، والخُبراتُ البشريَّةُ لم تختفِ بالكامل. إن مُشكلةَ بناءِ الدَّولةِ كانت ولم تزل تكمنُ في غياب الإرادَةِ السِّياسِيَّةِ لتَطبيقِ النُّصوص، وفي الخلطِ المُتعمَّدِ بين الإدارَةِ والسِّياسَة، وفي تَعطيلِ آلِيَّاتِ المَساءلَةِ والمُحاسَبَة، وعليه نرى أن إطلاقَ ورشَةَ إصلاحٍ حقيقيَّةً يقتضي قبل كل شيء قراراً سياسيًّا واضِحاً بفصل الإصلاحِ عن زواريبِ الانتماءاتِ الفئويَّةِ الضَّيِّقة، وتأمين غطاءٍ سياسيٍّ يحمي مَسارَ الإصلاحِ من الارتكاسِ والتَّعطيل.
إن الرسالةَ الإصلاحيَّةَ بسيطةٌ في صِياغتِها، لكِنَّها حاسِمَةً في مَضمونها، إدارةٌ عامَّةٌ في خِدمَةِ المواطن، لا في خِدمَةِ القابضين على السُّلطَة؛ إدارَةٌ تَحترِمُ القانون وتُحاسَبُ على النَّتائج؛ إدارَةٌ تُرشِّدُ استغلالَ المواردِ بدلاً من هدرِها، إدارةٌ تُقاسُ فعالِيَّتُها بما تُنجِزهُ لا بما تُعلِنه في بياناتها. وينبغي أن تحكُمَ هذه الرِّسالَةِ مَنظومَةُ قيمٍ لا يَجوزُ التنازُلُ عنها أو المساومةُ عليها، لأن أي إصلاحٍ بلا نزاهَةٍ وشفافِيَةٍ وحِيادٍ وظيفي، هو إصلاحٌ مُفرَّغٌ من مَضمونِه.
إن الرؤيَةَ الإصلاحيَّةَ ينبغي أن تتَّجِه نحو إدارَةٍ عامَّةٍ حديثة، مرنة، رقمِيَّة، إدارةٌ فاعلةٌ قادرةٌ على التَّكيُّف، إدارةٌ تقومُ على توسيعِ الصَّلاحِيَّاتِ لا تركيزُها، تفصُلُ في المَسائلِ والمُعاملاتِ لا تُرحِّلُها أو تؤجِّلُ البتّ بها، إدارةٌ تعملُ وفقَ مؤشِّراتِ أداءٍ واضِحَة، فالمركزيَّةُ المُفرِطَةُ لم تعُد ضَمانَةً لوحدَةِ الدَّولة، بل أحد أسباب شللِها، واللامركزِيَّةُ الإدارِيَّةُ الرَّشيدَةُ لم تعُد خياراً نظرِياً، بل شَرطاً أساسِياً لفعالِيَّةِ الإدارَة.
إن إطلاقَ ورشةِ إصلاحٍ شامِلَةٍ لا يعني الوَعدَ بإصلاحٍ سَريعٍ أو سَهل، كما يصوره بعضُ المَسؤولين أصحابُ المواقفِ المُرتجلَة. إن التَّجارُبَ العمليَّةَ الناجعةَ تُظهِرُ أن مسارَ الإصلاحِ طويل، متدرج، ومؤلم أحياناًـ ولكن الأشدُّ إيلاماً هو الاستمرارُ في تأجيلِ انطلاقته أو إعاقته، وأن الاستنسابيَّةَ أو التَّجزئة، أو التَّمييعَ فيه لم يعد خياراً مُحايِداً، بل اختِياراً واضِحاً بإدامَةِ الانهيار والتَّآمرُ على الشَّعبِ والوطن.
إن لبنان واللبنانيين، لم يعد بمقدورِهِم تَحمُّلُ المزيدِ من التَّسويف ولا حتى الاستماعِ إلى شِعاراتٍ أو وعود، لقد آن الأوان للانتقالِ من التَّشخيص إلى المُبادرةِ، ومن التَّنظيرِ إلى الفِعل. وإن مسؤوليَّةَ النُّهوضِ بالدَّولةِ تَقعُ اليومَ مُباشَرَةً على عاتِقِ المَنظومَةِ الحاكِمَة، لأن الوقت ينفُذُ والتأخيرَ لا ينِمُّ عن حيادٍ إنما عن تقصيرٍ مُتعمَّد، وسيتحمَّلُ أصحابُ القرار مَسؤوليَّته كاملةً عاجِلاً أم آجلاً، وهم اليومَ أمام خيارين اثنين لا ثالث لهما: إما إطلاقُ ورشَةِ إصلاحٍ حقيقِيَّةٍ شاملةٍ تضعُ الدَّولَةَ على مَسارِ التَّعافي، وإما التَّسليمُ بالفسادِ والرُّضوخِ للمُفسدين والقُبولُ الضُّمني بانهيار الدَّولةِ ومؤسَّساتِها.




