الاحدثالملف العربي الصيني

انعقاد الدورة ال11 لمؤتمر الحوار بين الحضارتين الصينية والعربية في بكين

وارف قميحة : نحو شراكة حضارية تعيد الاعتبار للإنسان وقيم التفاهم بين الشعوب

توافق المشاركون الصينيون والعرب في الدورة الحادية عشرة لمؤتمر الحوار بين الحضارتين الصينية والعربية، التي انعقدت في العاصمة الصينية بكين يومي 17 و18 تشرين الثاني 2025، على تعزيز الحوار الحضاري والمساهمة في بناء مجتمع المستقبل المشترك ودفع تقدم الحضارة البشرية، في إطار الشراكة الاستراتيجية بين الجانبين.

وانعقدت الدورة تحت عنوان “تعزيز الحوار الحضاري وبناء المجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك نحو العصر الجديد”، برعاية مشتركة من الدائرة الدولية باللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني وأمانة جامعة الدول العربية، في حضور الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط، ونحو 150 شخصية من قادة الأحزاب والمنظمات السياسية وأعضاء البرلمان ومسؤولين حكوميين وباحثين وإعلاميين من 22 دولة عربية، إضافة إلى ممثلين عن الجهات الحكومية والجامعات والمراكز البحثية الصينية.

استهل الجلسة الافتتاحية رئيس الدائرة الدولية في اللجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني، ليو هاي شينغ، مؤكدا “أنّ الحضارتين الصينية والعربية “تتمتعان بتاريخ عريق من التواصل”، وأنهما “تمتلكان قيماً مشتركة ورؤية متقاربة لمستقبل الإنسانية”.

وتوقف ليو عند “أهمية مبادرة الحضارة العالمية التي أطلقها الرئيس الصيني شي جينبينغ، مشددًا على أنها توفر إطارًا متقدمًا لحماية تنوّع الحضارات ومواجهة محاولات فرض هيمنة ثقافية أو قيمية على العالم”.

وأضاف: “شراكتنا ليست فقط اقتصادية أو تنموية، بل شراكة في رؤية عالم يقوم على الإنصاف والاحترام المتبادل، وعلينا أن نبني معًا مجتمع المستقبل المشترك”.

من جهته، أكد الأمين العام لجامعة الدول العربية أحمد أبو الغيط أن الحوار العربي – الصيني “تحول من منصة ثقافية إلى ركيزة من ركائز الشراكة الاستراتيجية الشاملة”. وقال:”العلاقة بين الحضارتين العربية والصينية قائمة على أساس راسخ من التفاهم العميق والتفاعل الإيجابي”، لافتا إلى “أن طريق الحرير التاريخي كان “جسرًا لتبادل الأفكار والمعرفة، وليس مجرد مسار لتبادل السلع”.

وأشار أبو الغيط إلى “أن العالم يشهد تحولات عميقة تحتاج إلى حوارات حضارية واسعة، مؤكدًا “التوترات والصراعات لن تُعالج إلا بروح الشراكة وبناء الثقة، وليس عبر الانغلاق أو الخطابات الإقصائية”.

وأكد التزام جامعة الدول العربية بالمضي قدمًا في تعزيز الحوار مع الصين، مشيرًا إلى التطلع للقمة الصينية–العربية الثانية عام 2026 التي “ستشكل محطة فارقة”.

من جهتهم، شدد ممثلون عرب على أن الخطة الخمسية الخامسة عشرة للصين توفر فرصًا جديدة للتعاون بين الصين والدول العربية، مؤكدين دعمهم للمبادرات الصينية الكبرى ورغبتهم في تعزيز الحوار الحضاري بما يخدم بناء المجتمع المشترك وتقدم الحضارة البشرية”.

الحاج
والقت السيدة إفراز الحاج ممثلة وزارة الثقافة كلمة بالمناسبة شددت فيها على عمق العلاقات بين البلدين ومما جاء في كلمتها:” اصحاب المعالي والسعادة، أيها الحضور الكريم، من بيروت، مدينة الانفتاح والحوار والتنوع، التي وصفها المفكر اللبناني الكبير ميشال شيحا بأنها “المدينة التي تنظر في اتجاهين”، نأتي اليوم لننظر بصدق وإيمان إلى الشراكة التي تجمعنا، شراكة تُجسدها مبادرة الحضارة العالمية وبناء المجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك.

​​إن لبنان، بتنوعه الفكري والديني، هو خير شاهد على المبدأ الأول لمبادرة الحضارة العالمية: احترام تنوع الحضارات. لقد تعلمنا، عبر تاريخنا الطويل، أن القوة الحقيقية تكمن في احتضان الاختلاف لا في نفيه.

​لقد آمن فلاسفتنا بأن التعايش هو جوهر البقاء، ولعل الفيلسوف اللبناني جبران خليل جبران لخّص هذه الرؤية حين قال: ثقافة الشعوب هي الروح التي لا تموت،وهذا ما نؤمن به اليوم.

إن العلاقة اللبنانية-الصينية هي علاقة راسخة الجذور، تتجاوز المسافات الجغرافية، لأنها علاقة فكر ومعرفة. نحن نرى في الحضارة الصينية العمق والتاريخ، وفي شراكتنا معها استثماراً حقيقياً في المستقبل المشترك.

واننا  نتطلع الى مزيد من التعاون في مشاريع ثقافية مشتركة اخرى ولا سيما في مجال الصناعات الثقافية وفي المهرجانات الفنية كما أن إنشاء مراكز جديدة لمعهد كونفوشيوس في لبنان من شأنه ان يعزز ترجمة ونشر الإنتاج الأدبي والفكري بين لبنان والصين ونرى انه من الضرورة ان نعمل على إشراك الشباب العربي الصيني في برامج تدريبية وورش عمل بهدف تبادل الخبرات في مجال الذكاء الاصطناعي وجعله في خدمة الثقافة وتطوير استراتيجيات التنمية المستدامة .

​إن المستقبل المشترك الذي نسعى لبنائه هو مستقبل يقوم على أساس صلب من القيم المشتركة. هو مستقبل لا يعترف بالصدام، بل يعترف بالتكامل وبأن الحوار بين الحضارات أساس السلام والتنمية. ​لهذا، لا يسعني إلا أن أستحضر دعوة المفكر اللبناني أمين معلوف، الذي يرى في الانتماءات المتعددة قوة لا ضعف:
​”إن هويتي هي ما تجعلني لا أشبه أي شخص آخر. وهي ما تجعلني شخصاً فريداً من نوعه. كل ما أرى وكل ما أعيش، هو ما يشكل هويتي.” إننا ندعو إلى تبني هذه الروح: أن تكون هويتنا المشتركة هي ما يجعلنا فريدين في هذا العالم، قادرة على العطاء والمساهمة الحضارية.

إن لبنان، رغم الأزمات، سيبقى البوابة التي يُطل منها الشرق على العالم. إننا نمد أيدينا للشريك الصيني، لنتشارك في بناء مجتمع قوي منفتح ومثقف.
ولا ننسى مقولة المفكر والشاعراللبناني نعيم تلحوق :من لم يقرأ الشرق جيدا لا يمكنه ان يفهم الغرب بشكل حقيقي.

​ختاماً، أتوجه بجزيل الشكر لجمهورية الصين الشعبية الصديقة على جهودها الكبيرة في رعاية وتفعيل هذه المبادرة التاريخية، وعلى كرم الضيافة وحفاوة الاستقبال. والشكر موصول لجميع الأشقاء العرب المشاركين في هذا المؤتمر القيم.

قميحة
شهدت الجلسة الثالثة من أعمال المنتدى إلقاء كلمة موسّعة  القاءها وارف  قميحة رئيس جمعية طريق الحوار اللبناني الصيني ورئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث، الذي قدّم رؤية شاملة حول أهمية ترسيخ التفاهم بين الشعوب العربية والصينية في إطار مبادرة “الحزام والطريق”، مؤكدًا “أنّ المبادرة لا تُقاس بمشاريع البنية التحتية وحدها، بل بقيمها الإنسانية وقدرتها على بناء جسور معرفية وحضارية طويلة الأمد”.

وقال قميحة:”إن تعزيز تفاهم الشعوب بين الصين والدول العربية لا يقوم فقط على التبادل الثقافي، بل على إعادة اكتشاف المعنى العميق للثقافة كطاقة توحيد وليس أداة تمييز. فالثقافة ليست ما يفرق بيننا، بل ما يجعلنا قادرين على رؤية المشتركات في تنوعنا.”

وأضاف :”أن التجربتين الصينية والعربية أثبتتا أن التنمية لا تكتمل إلا حين يكون الإنسان في قلبها”، مشددا على أن مبادرة “الحزام والطريق” لن تحقق أهدافها إلا إذا تحولت إلى منظومة قيم إنسانية مشتركة تعبّر عن رؤية جديدة للعلاقات الدولية تقوم على التعاون لا الصراع، والتكامل لا التبعية، والاحترام المتبادل لا الهيمنة”.

وأشار قميحة إلى “أن التفاهم بين الشعوب لا يُبنى بالخطابات وحدها، بل عبر الاستماع الحقيقي وإتاحة المجال للقاءات خارج الأطر الرسمية في فضاءات التعليم والإعلام والفكر والفنون، مؤكدًا ضرورة الانتقال من التبادل الثقافي إلى الشراكة الحضارية والمعرفة المتبادلة العميقة”
وأضاف:” “إن أكبر التحديات تكمن في الحفاظ على روح المبادرة في عالم يتجه نحو الانقسام. إن الحزام والطريق ليس مجرد مشروع اقتصادي، بل رحلة إنسانية نحو الفهم المشترك وأنسنة العولمة وجعلها أكثر عدالة وتوازناً.”

وختم قائلاً:”حين تتلاقى حضارتان عريقتان كالصينية والعربية، فإنهما تلتقيان لا على الماضي، بل على المستقبل المشترك للبشرية. وهذا اللقاء ليس ترفًا ثقافيًا، بل ضرورة تاريخية لإنقاذ العالم من صداماته وإعادته إلى مسار التعاون.”

الإعلان المشترك
صدر في ختام المؤتمر بيان مشترك موسّع جاء نتيجة نقاشات معمّقة بين الجانبين، وتضمن نقاطًا رئيسية، أبرزها: “انطلاقا من الروابط التاريخية العريقة والإرادة المشتركة بتعميق الشراكة الاستراتيجية، وفي إطار البرنامج التنفيذي لمنتدى التعاون الصيني العربي (2024-2026)، انعقدت الدورة الحادية عشرة لمؤتمر الحوار بين الحضارتين الصينية والعربية في مدينة بيجينغ الصينية يومي 17 و18 نوفمبر 2025م. وقد شهد المؤتمر مشاركة رفيعة المستوى من المسؤولين الحكوميين والبرلمانيين وقادة الأحزاب السياسية وممثلي الفكر والإعلام من الجانبين الصيني والعربي، إلى جانب الأمانة العامة لجامعة الدول العربية. وناقش المشاركون بعمق سبل تعزيز الحوار الحضاري وبناء المجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك نحو العصر الجديد، وتوصلوا إلى التوافقات التالية:

أولاً: يثمن الجانبان، الصيني والعربي، الزخم التاريخي الذي شهدته العلاقات الثنائية، والذي تجلى في الانعقاد الناجح للدورة العاشرة للاجتماع الوزاري لمنتدى التعاون الصيني العربي بحضور فخامة الرئيس الصيني شي جينبينغ وأصحاب الجلالة والفخامة والسمو قادة الدول العربية. وأعرب الجانبان عن اقتناعهما بنتائج التنفيذ لـ”الأعمال الثمانية المشتركة” للتعاون العملي الصيني العربي التي طرحت في للقمة الصينية العربية الأولى، ويجددان عزمهما للدفع ببناء “المعادلات الخمس للتعاون” بين الصين والدول العربية، ويتطلعان بتفاؤل مشترك إلى القمة الصينية العربية الثانية، المقرر عقدها في الصين عام 2026، مؤكدين أنها ستمثل علامة فارقة وانطلاقة نحو مرحلة جديدة من الشراكة الاستراتيجية القائمة على الاحترام المتبادل والمنافع المشتركة.

ثانياً: يؤكد الجانبان أن الحضارتين الصينية والعربية، بما تحملانه من إرث تاريخي عظيم وقيم إنسانية أصيلة، تشكلان مكونين أساسيين من مكونات التراث العالمي. ويشددان على أن الحوار الممتد بينهما عبر طريق الحرير التاريخي، والقائم على الانفتاح والتقدير المتبادل، قد أرسى نموذجاً يُحتذى به للتعايش الخلاق والتفاعل البنّاء بين الأمم، وكتب صفحة مضيئة في تاريخ التبادل الحضاري الإنساني.

ثالثًا: يُعرب الجانب العربي عن تقديره العالي لمبادرة الحضارة العالمية التي طرحها فخامة الرئيس شي جينبينغ، الأمين العام للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني ورئيس جمهورية الصين الشعبية. ويرى الجانب العربي أن المبادرة تهدف إلى حماية تنوع الحضارات ودعم التواصل والتبادل المعرفي بينها، وتساهم بالحكمة الصينية في مواجهة التحديات العالمية، وتوفر سنداً قوياً لبناء مجتمع المستقبل المشترك للبشرية، كما تقدم زخماً مستمراً لتطور الحضارة الإنسانية، وتُعد منفعة عامة جديدة ومهمة تقدمها الصين للمجتمع الدولي. وتتوافق مبادرة الحضارة العالمية بما تحمله من روح الاحترام المتبادل والانفتاح والتسامح بدرجة عالية مع القيم الإسلامية العربية التي تدعو إلى تعزيز الحوار والتعارف بين شعوب العالم.

رابعاً: يتفق الجانبان على العمل سوياً لترسيخ القيم المشتركة للبشرية المتمثلة في السلام والتنمية والإنصاف والعدالة والديمقراطية والحرية، مع التأكيد المطلق على مبدأ احترام التنوع الحضاري، والإقرار بأن ثراء الحضارة الإنسانية يكمن في تنوعها، ورفض نظريات صراع الحضارات أو التفوق الحضاري. كما يتفقان على احترام سيادة المسارات التنموية، والتأكيد على حق كل دولة في اختيار طريقها التنموي ونظام حكمها بما يتوافق مع ظروفها الوطنية وثقافتها، دون تدخل خارجي.

 

خامسا: يلتزم الجانبان بخارطة طريق للتعاون تترجم إلى برامج عمل ملموسة، من خلال تعميق وتوسيع التعاون في المجالات التالية:
1- تعزيز تبادل الخبرات في الإدارة والحكم من خلال التنسيق الاستراتيجي والحوار السياسي والتبادل الأكاديمي، وزيادة تفعيل دور مركز الدراسات الصيني العربي للإصلاح والتنمية.

2- صون التراث والإبداع الثقافي، وتنفيذ مجموعة من مشاريع التعاون في حماية التراث التاريخي والثقافي وترميم المواقع الأثرية ومكافحة الاتجار غير المشروع بالآثار وتشجيع الصناعات الثقافية والإبداعية وبناء المتاحف وغيرها.

3- العمل على حسن تنظيم الدورة السادسة لمهرجان الفنون العربية، والإسراع في إنشاء مركز الدراسات الصيني العربي للتعاون الثقافي والسياحي، ومواصلة تنظيم فعاليات إنسانية وثقافية متميزة “مهرجان عيد الربيع الصيني” و”نيهاو! الصين”.

4- مواصلة تطوير آلية التواصل لـ”الرابطة الصينية العربية للجامعات”، وتنفيذ “برنامج التعاون 10+10 بين الجامعات الصينية والعربية”، ودفع التعاون بين الجامعات الصينية والعربية في إعداد الكفاءات البشرية والتبادل الأكاديمي في إطار الحوار الحضاري، ودعم تعليم اللغة الصينية في الدول العربية.

5- تنفيذ مشروع” معسكر التبادل للقادة الشباب الصينيين والعرب “. استنادا إلى الاحتياجات التنموية للشباب في الصين والدول العربية، دعوة مسؤولي منظمات الشباب الإقليمية والوطنية في الدول العربية وممثلي الشباب في مختلف أوساطها   لزيارة الصين للمشاركة في الأنشطة المعنية مثل الندوات والزيارات الميدانية ومواءمة المشاريع التنموية، بغية تمكين الشباب من التنمية، والمبادرة إلى العمل الشبابي، بما يكوّن قوة شبابية لبناء المجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك نحو العصر الجديد يدا بيد.

6- تفعيل منصات الحوار وتطوير آليات العمل “المركز الصيني العربي لمبادرة الحضارة العالمية” ليكون منصة تفاعلية حقيقية تخدم أهداف الطرفين، بما يسهم في بناء شبكة عالمية للحوار والتعاون بين الحضارات.

سادسا: يُعرب الجانبان عن عميق شكرهما لدائرة العلاقات الخارجية للجنة المركزية للحزب الشيوعي الصيني على حسن الاستقبال والتنظيم المتميز لهذه الدورة. كما يوجهان الشكر للأمانة العامة لجامعة الدول العربية على دورها المحوري في التنسيق والإعداد. وإذ يثمن الجانبان الدور الذي تلعبه آلية الحوار الحضاري منذ عشرين عاماً، فإنهما يرحبان بعقد الدورة الثانية عشرة للمؤتمر في دولة عربية عام 2027، لمواصلة هذه المسيرة المباركة نحو بناء المجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك الأقوى والأكثر ازدهاراً. ويحرص الجانبان على تقديم الدعم لتعزيز التبادل الودي والتعاون العملي بين الجانبين الصيني والعربي في كافة المجالات، بما يقدم إسهامات فعالة في بناء المجتمع الصيني العربي للمستقبل المشترك نحو العصر الجديد”.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى