بوتين يتوعد اوروبا بهزيمة مُطلقة في حال قررت دخول الحرب ضد موسكو | بقلم البروفيسور عوض سليمية

بينما تتواصل النشاطات الدبلوماسية التي يقودها مبعوثا الرئيس الأمريكي دونالد ترامب؛ كوشنير وويتكوف بين موسكو وكييف لشرح خطة الرئيس ترامب ذات الــ28 بنداً الهادفة لوقف الحرب الروسية-الاوكرانية المستعرة بين البلدين منذ 20 فبراير 2022 دون توقف؛ تظهر بعض الدول الاوروبية خاصة كل من فرنسا والمانيا والى حد ما ايطاليا، مزيداً من التحفظات وتضع العديد من العقبات لمنع تنفيذها. في الوقت نفسه، تشهد العواصم الاوروبية المزيد من الإعلانات والاجتماعات المتكررة لجمع مزيد من الاموال والسلاح لاستمرار تغذية الحرب ضد روسيا؛ بالتزامن مع دعم سياسي واضح وترحيب حار بالرئيس زيلينسكي في عواصمهم.
السلوك الأوروبي الداعم لاستمرار الحرب يثير قلقًا كبيرًا لدى الرئيس ترامب، حيث يرى أن هذه السياسات تتعارض مع رؤيته لإنهاء النزاع. ترامب يعتقد أن الحرب بين روسيا وأوكرانيا قد وصلت إلى نقطة تميل فيها الكفة لصالح موسكو بشكل لا لبس فيه، وأن استمرارها يؤدي إلى خسائر بشرية وجغرافية متزايدة، مما يصعب الوصول إلى حلول دبلوماسية. حالة الغضب الترامبية يمكن العثور عليها بسهولة في استراتيجية الامن القومي الامريكي -2025 التي نشرها البيت الابيض يوم 5 نوفمبر2025؛ والتي اظهرت بوضوح ان ترامب سيلقي بحلفائه الاوروبيين من الحافلة؛ في حال استمرت سياساتهم الداخلية والخارجية على هذا النحو.
خلال اللقاء الأخير الذي جمع الرئيس بوتين بمبعوثي الرئيس الأمريكي في موسكو، تم الكشف عن نوايا القيادة الروسية الصادقة في إنهاء الحرب، وذلك ضمن شروط معقولة تستند إلى الحقائق الميدانية وفارق القوة بين الأطراف المتنازعة. هذا الموقف حاز على إشادة من الرئيس ترامب، الذي أبدى تفهمه لهذه الشروط. في هذه المرحلة، شدّد الأوروبيون مواقفهم لأسباب عدة، منها تغييب ترامب لحلفائه الأوروبيين عن خطته قبل عرضها على الرئيس بوتين. بالإضافة إلى الاستمرار في استبعادهم عن تفاصيل المفاوضات الجارية بين أمريكا وروسيا، وحالة الاستياء التي أُثيرت عقب القمة التي جمعت ترامب وبوتين في ألاسكا، والتي انعقدت دون حضور أي ممثل أوروبي.
من جانبهم، يعتقد الاوروبيون ان انتصار بوتين في هذه الحرب يُفسَر على انه تراجع في النفوذ الغربي المدعوم بذراعه العسكرية “حلف الناتو” امام قوة صاعدة بحجم روسيا؛ وهو امر لم تعتد عليه النخب السياسية في اوروبا منذ الحرب العالمية الثانية، اضافة الى المبرر الوهمي الذي يروج له قادة اوروبا وجوهره؛ ان انتصار روسيا في الحرب سوف يهدد امن واستقرار القارة العجوز، وهو الامر الذي نفاه الكرملين مراراً وتكراراً، ويراه ترامب موقفاً غير ذي صلة بالواقع.
على هذه الاساس، بدأ تحالف الدول الراغبة والذي تقوده كل من فرنسا والمانيا، في اتخاذ سلسلة اجراءات تصعيدية ضد موسكو؛ بدءاً من تشجيع زيلينسكي على وضع تحفظات على خطة ترامب؛ متوقع ان ترفضها موسكو. الى جانب، إطلاق نقاش موسع حول امكانية مصادرة الاصول الروسية والاموال المجمدة في اوروبا والتي تقدر بــ 150 مليار لتمويل الحرب؛ بالإضافة الى استئناف العودة لفرض مزيد من حزم العقوبات التي وصلت حتى الان الى تسعة عشر حزمة؛ تضم أكثر من 12 ألف نوع من العقوبات المفروضة على موسكو. بالتزامن مع تحريك طائرات مقاتلة المانية من طراز يورو فايتر نحو بولندا تحت مبررات تعزيز الجناح الشرقي لأوروبا، وبالمثل أعلن الرئيس الفرنسي ماكرون نية بلاده ارسال مزيد من الطائرات الى بولاندا.
التجاوب الروسي المرن مع الخطة الامريكية لإحلال السلام، لن يمنع بوتين من خلع القفازات امام تصعيد الاوروبيين واستفزازاتهم. خلال مؤتمره الصحفي، كشف بوتين بوضوح ان الحرب الاوروبية-الروسية في حال اندلعت؛ لن تكون مشابهة أبداً للحرب الدائرة في أوكرانيا. على قاعدة ان ما يدور في اوكرانيا هو عملية عسكرية خاصة تُدار بحذر شديد وتهدف بالدرجة الاولى الى استئصال النازيين الجدد الذين استولوا على الحكم بدعم القوى الغربية في اوكرانيا. وان هذه العملية الجراحية لن تغير النظرة الايجابية نحو المواطنين الاوكران والحفاظ على سلامتهم قدر الامكان، باعتبارهم اشقاء سلافيون وروس حتى النخاع؛ من وجهة نظر الكرملين.
لكن، هذا الموقف من الاشقاء لن ينعكس بالضرورة على الأوروبيين في حال أصر قادتهم على إعلان الحرب على روسيا. خلال المؤتمر الصحفي أكد بوتين من جديد على ان “ان بلاده لا تسعى للحرب مع اوروبا”، لكنه كان واضحاً وحاسماً في موقفه من ان “بلاده لن تتراجع امام التهديدات؛ وهي جاهزة لخوض الحرب” دون تردد. هذا يعني، ان لدى روسيا في حال العدوان عليها كل المبررات لاستخدام جميع الوسائل القتالية المتاحة للرد على أي اعتداءات على الاراضي الروسية ودون تحفظ. يقول بوتين رداً على اسئلة أحد الصحفيين: “إذا أرادت أوروبا فجأةً أن تبدأ حربًا ضدنا وبدأتها”، فستنتهي الحرب بسرعة كبيرة بالنسبة لأوروبا، ولن يبقى لروسيا من تتفاوض معه”.
تدفع المواقف المتشددة للصقور الاوروبيين مزيداً من التصدع في البيت الاوروبي، الى جانب مزيد من التشققات في المواقف بين اوروبا والولايات المتحدة. من ناحية، يحاول ترامب وأد ارث سلفه بايدن وفرض رؤيته لإحلال السلام في أوراسيا، وتصطف الى جانبه عدد من الدول الاوروبية وفي مقدمتها هنجاريا/ المجر، بلجيكا… بالمقابل، تظهر دول مثل فرنسا والمانيا معارضة كبيرة لخطة ترامب وتطالبه بإدخال مزيد من التعديلات لخدمة المصالح الاوكرانية/الغربية. عند هذه النقطة، يجلس زيلينسكي على يديه ويحاول المناورة بين خطوط ترامب ومساحات صقور اوروبا غير الموثوقة؛ وسط تراجع كبير لقواته على الجبهة، وارتفاع المزيد من الاصوات داخل البرلمان الداعية لعزله، كل ذلك يتزامن مع تراجع حاد في شعبيته وسط تكشف المزيد من فضائح الفساد التي تورط بها مع اقرب مساعديه.




