ازمة لبنانالاحدث

بين السيادة والقوة: لماذا تختار الدول الحرب بدلًا من الدبلوماسية؟ | كتبت عبير درويش

حين تتصاعد المواجهات بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، يعود سؤال قديم إلى الواجهة:
لماذا تقرر الدول الحرب بدلًا من استنفاد الدبلوماسية؟
وهل النظام الدولي قائم على القانون، أم على ميزان القوة؟

أولًا: لماذا تلجأ الدول إلى الحرب؟
في نظريات العلاقات الدولية، هناك ثلاث مقاربات رئيسية تفسر قرار الحرب:

1. المدرسة الواقعية (Realism)
ترى أن الدولة تسعى إلى الأمن والبقاء قبل أي اعتبار آخر.
عندما تعتقد دولة أن خصمًا ما يقترب من امتلاك قدرة تهدد أمنها الاستراتيجي — سواء كانت نووية أو عسكرية — فقد ترى في الضربة الوقائية خيارًا أقل كلفة من الانتظار.

2. الردع والفشل الدبلوماسي
تُفضّل الدول التفاوض حين تعتقد أن الاتفاق يحقق مصلحة أفضل من الحرب. لكن إذا انهار التفاوض أو فقدت الثقة في التزام الطرف الآخر، يصبح التصعيد احتمالًا قائمًا.

3. الحسابات الداخلية
أحيانًا تلعب السياسة الداخلية دورًا؛ إذ قد تستخدم الحكومات لغة القوة لتعزيز الردع أو إعادة تشكيل معادلات إقليمية.
هل يجب أن تخضع الدول لتجنب الحرب؟
السؤال الأكثر حساسية هو:
هل يتعين على دولة ما أن “تخضع” لقوة كبرى لتجنب الصراع؟
في الواقع، العلاقات الدولية لا تُدار بمفهوم الخضوع الصريح، بل عبر:
• التحالفات الأمنية
• الضغوط الاقتصادية
• العقوبات
• الترتيبات الدبلوماسية
قد تمارس القوى الكبرى نفوذًا اقتصاديًا أو سياسيًا كبيرًا، لكن الدول لا تُجبر قانونيًا على الطاعة. غير أن الفارق في القوة الاقتصادية أو العسكرية يجعل خياراتها محدودة أحيانًا.

الخضوع — إن حدث — يكون غالبًا عبر:
• التكيف مع نظام العقوبات
• تعديل السياسات الإقليمية
• الدخول في ترتيبات أمنية جديدة
لكنه ليس قاعدة قانونية، بل نتيجة توازن قوى.

 

متى يُسمح بالحرب قانونيًا؟
بحسب ميثاق الأمم المتحدة، يُحظر استخدام القوة ضد دولة ذات سيادة، باستثناء حالتين فقط:
1. الدفاع عن النفس (المادة 51)
2. تفويض صريح من مجلس الأمن
أي استخدام للقوة خارج هذين الإطارين يُعد محل جدل قانوني دولي.
لكن الإشكالية تكمن في تفسير مفهوم “التهديد الوشيك”.
هل يكفي الاشتباه بقدرة مستقبلية؟
أم يجب وقوع هجوم فعلي؟
هذا الخلاف القانوني هو ما يجعل العديد من الحروب الحديثة موضع انقسام دولي.

 

أين مجلس الأمن من كل هذا؟
يتكوّن مجلس الأمن من 15 عضوًا، بينهم خمسة دائمون يمتلكون حق النقض (الفيتو):
• الولايات المتحدة
• روسيا
• الصين
• فرنسا
• المملكة المتحدة
وجود الفيتو يجعل المجلس أحيانًا عاجزًا عن اتخاذ قرار في النزاعات التي تمس مصالح إحدى القوى الكبرى. وعندما يُشلّ المجلس سياسيًا، تميل الدول إلى التحرك خارج إطاره، سواء عبر تحالفات أو إجراءات أحادية.

 

السيادة في زمن القوة
النظام الدولي يقوم نظريًا على مبدأ سيادة الدول، لكن الواقع يكشف عن تدرج في النفوذ:
• دول تملك قدرة ردع عالية
• دول متوسطة تعتمد على التحالفات
• دول محدودة التأثير تخضع لضغوط اقتصادية
هذا لا يعني غياب القانون، لكنه يعني أن تطبيقه يتأثر بموازين القوة.

 

الحرب أم الدبلوماسية؟
تشير بيانات معهد ستوكهولم لأبحاث السلام (SIPRI) إلى أن الإنفاق العسكري العالمي تجاوز 2.2 تريليون دولار سنويًا في السنوات الأخيرة. في المقابل، تبقى ميزانيات الدبلوماسية والوساطة الدولية جزءًا ضئيلًا من هذا الرقم.

المفارقة أن الحرب غالبًا ما تعيد الأطراف إلى طاولة التفاوض — ولكن بعد كلفة بشرية واقتصادية هائلة.

 

وفي الخلاصة: القوة أم القانون؟
الحرب ليست الخيار الأول في النظام الدولي الحديث، لكنها تظل خيارًا مطروحًا حين تفشل الدبلوماسية أو تنهار الثقة أو يتصاعد منطق الردع.

لا تُفرض الطاعة رسميًا على الدول، لكن الفجوة في القوة قد تدفع بعضها إلى إعادة حساباتها.

ومجلس الأمن يبقى إطارًا شرعيًا مهمًا، لكنه ليس دائمًا قادرًا على فرض إرادته في ظل الانقسام بين القوى الكبرى.

السؤال الجوهري ليس: لماذا تختار الدول الحرب فقط؟
بل: كيف يمكن إصلاح النظام الدولي بحيث تصبح الدبلوماسية أقل كلفة سياسيًا من الصراع العسكري؟

عبير درويش، كاتبة وصحافية لبنانية متخصّصة في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية

عبير درويش، كاتبة وصحافية لبنانية متخصّصة في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، تمتلك خبرة تفوق عشرين عامًا في الإعلام المرئي والمكتوب وإدارة المحتوى الرقمي. عملت مع مؤسسات محلية وعربية بينها East News وBelwasat.com، وأسّست موقع mintandhint.com الاقتصادي. تولّت إدارة حملات التواصل الاجتماعي لمؤسسات فكرية وإنسانية كـمؤسسة الفكر العربي والجمعية اللبنانية لمكافحة السرطان، وقدّمت برامج اقتصادية عبر تلفزيون لبنان وNBN. تجمع في عملها بين الدقة المهنية والحس الإنساني، ما يجعلها صوتًا موضوعيًا في تناول قضايا الاقتصاد والمجتمع.

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى