ذهب لبنان بين السيادة والضغط: أصلٌ مُجمَّد أم فرصة إنقاذ؟ | العميد الركن المتقاعد جورج جاسر

في بلدٍ يرزح تحت واحدة من أعنف الأزمات المالية والمصرفية في تاريخه، يعود ملف الذهب الاحتياطي اللبناني إلى الواجهة بوصفه آخر الأصول السيادية غير المستهلكة. ليس السؤال اليوم إن كان الذهب مهماً، بل لماذا بقي خارج أي نقاش وطني جديّ، ولماذا تحوّل من عنصر قوة محتمل إلى ملفٍ صامت، محاط بالغموض والتحفّظ، في وقتٍ انهارت فيه العملة، وضاعت الودائع، وتفكّكت الثقة بالدولة ومؤسساتها.
يملك لبنان نحو 286.8 طناً من الذهب، ما يضعه في مصاف الدول الأعلى عالمياً نسبةً إلى حجم اقتصاده. إلّا أن جزءاً من هذه الكمية مودَع خارج الأراضي اللبنانية، وتحديدا في الولايات المتحدة، منذ عقود، بذريعة الحماية والأمان في مراحل عدم الاستقرار. غير أن ما كان مفهوماً في زمن الحروب والاضطرابات، بات اليوم موضع تساؤل مشروع في زمن الانهيار الشامل وغياب السيادة المالية الفعلية.
الإشكالية الأساسية لا تكمن في وجود الذهب داخل لبنان أو خارجه فحسب، بل في غياب الشفافية. فلا أرقام رسمية منشورة تحدّد بدقّة كمية الذهب الموجودة في الخارج، ولا طبيعة الاتفاقات التي تنظّم هذا الإيداع، ولا الشروط القانونية التي تحكم إمكان استعادته أو التصرف به. هذا الغموض بحد ذاته خلل سيادي، لأن أي أصل وطني غير خاضع للرقابة البرلمانية والمحاسبة العلنية يتحوّل تلقائياً إلى نقطة ضعف لا إلى عنصر حماية.
يُبرَّر الامتناع عن فتح هذا الملف عادةً بحجج تقنية، أبرزها الخوف من فقدان الثقة الدولية أو من فتح شهية المنظومة السياسية على استنزاف الذهب. إلّا أن هذه الحجج تفقد الكثير من وزنها في حالة لبنان، الدولة المتخلّفة عن سداد ديونها السيادية منذ عام 2020، والمصنّفة على اللائحة الرمادية، والتي فقدت أصلاً ثقة الأسواق والمؤسسات المالية. فالثقة لا تُفقد مرتين، ولا يُخشى ضياع ما هو مفقود.
لبنان تخلّف عن سداد سندات اليوروبوند، وهي ديون سيادية بالدولار تخضع لقوانين أجنبية ويحمل قسم كبير منهم دائنون دوليون، وبقي ملف إعادة الهيكلة معلّقاً بلا رؤية واضحة أو خطة تفاوضية متكاملة. في هذا السياق، يتحوّل أي أصل سيادي غير مُدار بوضوح، بما فيه الذهب، إلى ورقة ضغط محتملة، لا إلى ورقة قوة.
وهنا يبرز السؤال الذي يتجنّب كثيرون طرحه، رغم أنه بات مشروعاً اليوم أكثر من أي وقت مضى: هل يستطيع لبنان، في ظل وضعه المالي الهش وتخلّفه عن السداد، استعادة الذهب المودَع خارج أراضيه متى شاء؟ وهل تبقى هذه الوديعة بمنأى عن الحسابات النقدية والمالية لدولة مضيفة تواجه تضخماً مرتفعاً، وضغوطاً على عملتها، وتحوّلات في موقع الدولار عالمياً؟ إن طرح هذا السؤال لا يعني التشكيك في الملكية القانونية، بل في هامش القرار والزمن، وهما عنصران لا يقلّان أهمية عن الحق النظري.
في هذا الإطار، لا يدور النقاش حول بيع الذهب أو التفريط به، بل حول إمكان استخدام جزء محدود من الذهب لا سيما الموجود خارج لبنان على سبيل المثال، ضمن مقاربة دفاعية لا استنزافية، كأداة ضمان لا كسلعة. فالدول لا تنهض ببيع أصولها الاستراتيجية، بل بتوظيفها ضمن خطط تعافٍ واضحة، عبر آليات قانونية مستقلة، تُستخدم حصرياً لحل ملف وطني بامتياز الذي دخل سنته السابعة وهو استعادة أموال المودعين، بموجب سندات سيادية مضمونة، و إنماء الاقتصاد الوطني وإعادة بناء النظام المالي على أسس جديدة، لا لتمويل العجز أو إعادة إنتاج الانهيار.
شريحة واسعة من اللبنانيين، لا يوجد لديها الحماس ويرفضون المسّ بالذهب، خصوصاً في ظل منظومة سياسية ومالية فقدت ثقة الناس بأكثريتها. فالذهب يُنظر إليه كآخر خط دفاع وطني، لا كأداة تقنية. لكن بين خيار ترك جزء من هذا الأصل السيادي خارج البلاد، عرضةً للضغط أو التعطيل لأسباب سياسية أو مالية، وبين استخدامه بشروط صارمة لمصلحة الاقتصاد والمودعين، يصبح الخيار الثاني أقلّ سوءاً وأكثر سيادية.
الخطر الحقيقي لا يكمن في استخدام الذهب، بل في استخدامه بلا ضوابط. لذلك، فإن أي خطوة في هذا الاتجاه يجب أن تقوم على قانون خاص يقرّه مجلس النواب، يحدّد بدقة مجالات الاستعمال، ويمنع البيع أو الرهن المفتوح، ويُخضع العملية لرقابة قضائية ومالية مستقلة، مع شفافية كاملة أمام الرأي العام. فالذهب ليس ملك السلطة، بل ملك المجتمع، ومن ضمنه المودعون لطالما تحملوا وحدهم عبء الانهيار المالي والخسارة، في وقت استفاد الشعب اللبناني كله من دعم الدولة لملفات كثيرة استفادوا منها خلال عقود من الزمن.
التمسّك بالجمود تحت شعار «الحذر» لم يعد سياسة، بل هروباً من القرار. فترك الذهب مجمّداً، خارج السيادة المباشرة، ومن دون استراتيجية وطنية واضحة، لا يحميه، بل يتركه رهينة توازنات خارجية، فيما يواصل الداخل الانهيار. والأسوأ أن يُستخدم هذا الأصل يوماً ما في تسويات تُفرض على لبنان، بدل أن يكون أداة إنقاذ تُقرَّر بإرادة وطنية.
بين الذهب كرمز، والذهب كأداة، تقف الدولة اللبنانية أمام خيار مصيري: إما أن تستعيد زمام المبادرة، فتفتح هذا الملف بشفافية وحوكمة، وتتعامل معه كأصل سيادي حيّ، أو أن تتركه ورقة ضغط مؤجَّلة في يد الآخرين. ففي الأزمات الوجودية، لا تُقاس السيادة بما نحتفظ به صامتين، بل بما نُحسن إدارته قبل أن يصبح الصمت شكلاً من أشكال التفريط والإهمال والهدر.




