الاحدثمراجعة كتب
شجرة الفستق: قراءة في العلاقات الإيرانية–العربية عبر قرن | بقلم فاروق غانم خداج

ماذا لو كانت علاقة إيران بالعرب أشبه بشجرة الفستق، جذورها ضاربة في الأرض القاحلة، وصمودها يواجه أصعب الظروف؟ هذا السؤال المركزي يطرحه الدكتور مصطفى اللبّاد في كتابه الجديد شجرة الفستق: إيران والعرب في قرن (1914–2013)، الصادر أواخر عام 2025 عن دار نوفل / هاشيت أنطوان. فشجرة الفستق تقدم استعارة بليغة لفهم السياسة الإيرانية: بيئة إقليمية معقدة، عمق تاريخي وعقائدي، وقدرة استثنائية على التكيف والانتظار. الكتاب ليس مجرد سرد للأحداث، بل إعادة صياغة لفهم هذه العلاقة كمنطق طويل الأمد لبناء النفوذ، لا كردود فعل متفرقة.
ينطلق المؤلف من مطلع القرن العشرين، حين كانت إيران تحت الحكم الملكي تبحث عن استقلالها وسط أنقاض الإمبراطوريات. لم تكن رؤيتها تجاه العرب مكتملة بعد، لكن بذور الاختلاف كانت قد زرعت. بينما كانت معظم البلاد العربية تحت النفوذ الغربي المباشر، كانت إيران تسعى إلى سيادتها بخطوات حذرة ومدروسة، تحرص على الحفاظ على مصالحها مع القوى الكبرى دون الدخول في مواجهات مباشرة. إن هذا الطور المبكر من العلاقات أسس لبنية معقدة من التفاعلات السياسية والاجتماعية، بعضها علني وبعضها سرّي، الذي سيستمر تأثيره على مدى قرن كامل.
نقطة التحول الكبرى كانت عام 1979؛ الثورة الإسلامية لم تكن مجرد تغيير نظام سياسي، بل زلزال أعاد تشكيل قواعد اللعبة الإقليمية. استبدال الشرعية الملكية بشرعية أيديولوجية دينية حول إيران إلى “قضية”، وجعلها داعماً رئيسياً لحركات التحرر والإسلام السياسي في المنطقة، مما وضعها في مواجهة مباشرة مع النظم العربية القائمة التي رأت في هذا التمدد تهديداً لاستقرارها الداخلي ومكانتها الإقليمية. لقد أظهر الكتاب كيف أن الثورة لم تقتصر تأثيراتها على الداخل الإيراني، بل امتدت لتعيد ترتيب التحالفات والخصومات في الشرق الأوسط، بشكل لم يسبق له مثيل منذ الحرب العالمية الأولى.
يؤكد الكتاب على دور الدين كأداة استراتيجية فاعلة، مكّنت إيران من تخطي الحدود القومية والعرقية، وبناء شبكة نفوذ تمتد من العراق ولبنان إلى اليمن. كما يسلط الضوء على الحرب العراقية–الإيرانية (1980–1988) ليس كمجرد نزاع حدودي، بل كاختبار وجودي عزز رواية “الصمود” الإيرانية وكرس صورتها كقوة لا تُقهَر بسهولة. الحرب لم تكن مجرد مواجهة عسكرية، بل كانت منصة لتجربة استراتيجيات النفوذ والتأثير في العالم العربي، والتأكد من قدرة النظام الجديد على الثبات في مواجهة تحديات داخلية وخارجية.
مع بداية الألفية الجديدة، وبتغير التحالفات الإقليمية، وجدت طهران فرصة تاريخية لتوسيع نفوذها عبر الدبلوماسية الممزوجة بالقوة الناعمة. لقد أثبتت مرونتها في تعديل استراتيجياتها بحسب الظروف، واستغلال الانقسامات السياسية داخل الدول العربية لتعزيز مواقعها، قدرتها على استخدام القوة الصلبة والدبلوماسية والنفوذ الثقافي والاجتماعي بذكاء استراتيجي. الكتاب يقدم أمثلة متعددة، من دعم أحزاب وجماعات سياسية في لبنان والعراق، إلى تأثير إيران على اليمن والصومال، لتظهر كيف أن استراتيجية “شجرة الفستق” قائمة على صبر طويل، وتدرج حكيم، وفهم عميق للبيئة التي تنمو فيها.
يخلص الدكتور اللبّاد إلى أن العلاقات الإيرانية–العربية ليست نتاج لحظة راهنة، بل تراكم قرن كامل من الصراعات الأيديولوجية، وتحولات النظام الدولي، وتفاهمات المصالح المتغيرة. إيران التي يقدمها الكتاب ليست خصماً أبدياً ولا حليفاً موثوقاً، بل قوة متكيفة، صامدة، وبانية نفوذها الاستراتيجي. هذه القوة تظهر قدرتها على الانتظار، على تحليل مجريات الأحداث قبل اتخاذ أي خطوة، وعلى الاستثمار في الوقت الطويل أكثر من ردود الأفعال اللحظية.
تبقى “شجرة الفستق” أكثر من عنوان شعري؛ إنها خريطة رمزية لفهم كيف تنمو الدول في بيئاتها القاسية، وكيف تتشكل العلاقات الكبرى عبر الزمن بخيارات استراتيجية لا تتكشف إلا لمن ينظر بعيدًا في تاريخ السياسة المعقدة في المنطقة. الكتاب يُظهر أن الاستراتيجيات الكبرى لا تُبنى في يوم واحد، وأن النفوذ الحقيقي يحتاج إلى صبر، وإمعان، وفهم معمق لخصائص كل مجتمع وجغرافيا وتاريخ.
ختاماً، يبقى السؤال المطروح: هل ستستمر إيران في رسم خريطتها بنفس الصبر والعمق، أم أن التحديات المقبلة، بما في ذلك التغيرات في بنية القوة العالمية والتحولات الداخلية في الدول العربية، ستفرض قواعد لعبة جديدة؟ شجرة الفستق لا تقدم إجابة حتمية، لكنها تزود القارئ بخريطة واضحة لفهم مسارات التحولات، وأهمية الصبر والمرونة في السياسة، ومدى تأثير الماضي على مستقبل العلاقات الإيرانية–العربية. إنه كتاب ضروري لكل من يرغب في فهم أعمق للمنطقة، وليس مجرد قراءة تاريخية، بل تحليل استراتيجي لأكثر من قرن من التحولات السياسية والاجتماعية.




