كمال جنبلاط: الحكيم الذي لا يغيب – في ذكرى ميلاده الـ108 | بقلم فاروق غانم خداج

في السادس من كانون الأول عام 1917، وُلد في لبنان رجلٌ سيترك بصمته في التاريخ السياسي والاجتماعي للبلاد: كمال جنبلاط. اليوم، في ذكرى ميلاده الـ108، لا نتذكّر فقط تاريخ مولده، بل نعيد قراءة إرثه العميق، رؤيته المستقبلية، وفكره الذي جمع بين الجرأة الفكرية، الحس الوطني، والالتزام الاجتماعي. لم يكن جنبلاط مجرد زعيم سياسي، بل كان مفكرًا وفيلسوفًا عمليًا يسعى إلى بناء لبنان يتجاوز الطائفية والصراعات، وطنًا تُحتفى فيه بالحرية، وتُكرَّم فيه المعرفة، ويُصان فيه العمل الصادق.
عاش كمال جنبلاط في زمنٍ مليء بالتحوّلات الكبرى، حيث كانت بيروت والمناطق اللبنانية تعيش صراعًا بين التقليد والحداثة، وبين الطائفية والمواطنة. ورغم ذلك، استطاع أن يكون صوت العقل والضمير، صامدًا أمام الضغوط المحلية والإقليمية، متمسّكًا بالمبادئ التي آمن بها. ولئن اختلف المؤرخون والساسة في قراءة بعض مواقفه خلال مرحلة الحرب الأهلية العاصفة، فإن إرثه الفكري والنهضوي يظل حجرًا أساسيًا في بناء لبنان المنشود.
وتحمل رسالة جنبلاط للبنانيين اليوم ثلاثة أبعاد رئيسية: الإصلاح، الوحدة الوطنية، والمسؤولية الفردية والجماعية.
أولًا: الإصلاح
كان جنبلاط يرى أن لبنان لا يمكن أن ينهض إلّا من خلال إصلاح شامل يشمل التعليم، القضاء، الإدارة العامة، والإصلاح الزراعي والتنمية الريفية المتوازنة. ولم يكن إيمانه بالإصلاح مجرد شعار، بل تحوّل إلى مشاريع رائدة جسّدت فلسفته في ربط الحرية السياسية بالتحرّر الاقتصادي والاجتماعي. فمن دعمه لتعاونيات الشوف إلى سعيه لحماية صغار المزارعين، كان يؤمن بأن وعي المواطن وكرامته تنشآن من ازدهار أرضه واستقرار عيشه. وقد فهم أن بناء الوطن يبدأ من تحسين شروط الحياة اليومية لأبنائه، مما جعل تجربته نموذجًا عمليًا لإصلاح يتجذّر من القاعدة. وفي زمننا الحالي، حيث يواجه لبنان انهيارًا اقتصاديًا غير مسبوق وتراجعًا مؤسسيًا يهدّد النسيج الاجتماعي، تظل دعوته للإصلاح الشامل والشفافية أكثر إلحاحًا وإضاءة على الطريق.
ثانيًا: الوحدة الوطنية
كان جنبلاط يردّد دائمًا أن لبنان بحاجة إلى وطن يجمع ولا يفرّق، وطن يقدّر التعددية دون أن يسمح للطائفية بأن تكون معيارًا للسلطة أو الفرص. وفي ظل الأزمات الراهنة، يظل إرثه حول العيش المشترك والتعاون بين جميع مكوّنات المجتمع خريطة طريق للأجيال الجديدة. إنّ التاريخ يعلّمنا أن مصير لبنان، رغم كل التأثيرات الإقليمية والدولية، يبقى في النهاية قرار أبنائه؛ عندما يتحلّون بالوعي والمسؤولية، ويجعلون من تنوّعهم قوة لا معول هدم.
ثالثًا: المسؤولية الفردية والجماعية
كان جنبلاط يؤمن بأن لكل مواطن دورًا في تحسين الواقع. لم يكتفِ بالخطابات السياسية، بل زرع في الآخرين روح المبادرة والانخراط في الحياة العامة، والحرص على نقل القيم الأخلاقية والاجتماعية للأجيال القادمة. واليوم، حيث تتراجع الثقة بين المواطن والدولة، يظل مثال جنبلاط في تحمّل المسؤولية والعمل النزيه ومواجهة التحديات بروح صادقة رسالةً واضحةً لكل لبناني يبحث عن معنى الانتماء الحقيقي.
البعد الروحي والفلسفي في شخصية جنبلاط
ولعل أحد أبرز الجوانب التي تُهمل أحيانًا في قراءة إرث كمال جنبلاط هو بُعده الروحي والفلسفي. فقد كان متعمّقًا في حكمة الشرق، قارئًا لبوذا وغاندي، ومؤمنًا بأن الإنسان يرتقي بالمعرفة وبصفاء القلب قبل أي سلطة أو منصب. انعكست هذه الروحانية في كتابه أدب الحياة، حيث دعا إلى تهذيب النفس، وإلى فهم الحرية باعتبارها حالة داخلية قبل أن تكون مطلبًا سياسيًا. إنّ هذا المزيج بين الفكر السياسي الصلب والرؤية الروحية العميقة هو ما جعل جنبلاط حالةً استثنائية في الحياة اللبنانية، وقائدًا يرى الإنسان قبل كل شيء.
لم يكن جنبلاط لبنانيًا فقط في فكره، بل عالميّ النظر فقد آمن بالحوار بين الشعوب، وبأن لبنان يجب أن يكون جزءًا من العالم لا معزولًا عنه. تابع تحوّلات المنطقة، ودرس تاريخها، وعرف أن السلام والاستقرار لا يتحقّقان إلّا بالحكمة والدبلوماسية، ورفع صوت العقل فوق لغة القوة وحدها. رسالته للعالم اليوم ليست مجرد خطاب سياسي، بل دعوة إلى الالتفات إلى لبنان كنموذج صغير للتعددية الحيّة، وللتأكيد على أن الدول الصغيرة، إذا امتلكت وعي شعبها، يمكن أن تكون منارات للأمل.
كما أولى أهمية كبيرة للثقافة والفكر، مدركًا أن قوة الإنسان الحقيقية تنبع من المعرفة والوعي. كتب وألهم، ونقل فلسفة الحوار والنقد، مؤكدًا أن الحرية الفكرية لا تقل أهمية عن الحرية السياسية. واليوم، في عصر المعلومات، تظل رؤيته أكثر إلحاحًا، إذ يمكن للأجيال الجديدة أن تستخدم المعرفة أداة للتغيير، وقوة للبناء لا للهدم.
في ذكرى ميلاده الـ108، يمكن للبنانيين أن يتذكّروا جنبلاط لا كزعيم فقط، بل كمعلم وروحًا ناضجة، شخصًا تحدّى الظروف وواجه الانقسامات، ولم يَخْشَ التعبير عن الحقيقة مهما كانت صعبة. فالتاريخ يعلّمنا أن لبنان قادر على النهوض إذا تمسّك أبناؤه بالقيم التي آمن بها: الإصلاح، الوحدة، والمسؤولية، وأن التعددية ليست تهديدًا، بل فرصة لبناء مجتمع حقيقي متماسك.
ختامًا، في السادس من كانون الأول 2025، ونحن نستذكر كمال جنبلاط، «سيد الشوف» و«الحكيم الذي لا يغيب»، نجد دعوة صريحة للبنانيين والأجيال القادمة: استلهموا روح المثابرة، حافظوا على قيم العدالة والمواطنة، وكونوا صانعي التغيير الحقيقي في وطنكم. فكما تتجدّد شجرة الأرز باخضرارها رغم العواصف، بفضل جذورها الضاربة في الأرض، يمكن للبنان أن ينهض من جذوره التاريخية، بعقل شاب، وروح حرة، وإرادة صادقة في بناء وطن يليق بأبنائه.




