كمال جنبلاط وواجبات النائب: بين المُثُل العليا والواقع اللبناني | بقلم فاروق غانم خداج

يتحوّل البرلمان اللبناني اليوم ساحةً لتبادل الاتهامات وتشريع الحصص، فتعود مقولة الزعيم كمال جنبلاط إلى الواجهة:
«النائب الحقيقي هو من يعيش هموم الناس، ويسهر على مصالحهم، ولا يجعل من المجلس منصة لمصالح شخصية أو فئوية».
ليست هذه العبارة توصيفًا أخلاقيًا عابرًا، بل خلاصة رؤية سياسية متكاملة لدور النائب في الدولة الحديثة. رؤية ترى النيابة مسؤولية وطنية وأخلاقية، لا وظيفة موسمية، وتضع التمثيل الشعبي فوق الحسابات الطائفية والحزبية الضيقة. فالنائب فاعل تشريعي ورقابي، صوت ضمير باسم الناس، ولو كلّفه ذلك موقعه أو شعبيته. هكذا يصبح النائب صوت ضمير الأمة، لا موظف حكومة.
تنطلق هذه الفلسفة من اعتبار البرلمان ضمير الأمة لا مرآة انقسامها. فالنائب مطالب بأن يكون صاحب موقف، لا مجرد رقم في لوائح التصويت، يمارس حقه في السؤال والمحاسبة، ولا يكتفي بدور الموقّع على ما يُقرَّر خارج المجلس. البرلمان، وفق هذا الفهم، ليس مساحة تسويات فقط، بل ساحة مواجهة سلمية باسم المصلحة العامة.
صفات النائب عند جنبلاط
حدّد جنبلاط صفات جوهرية لا يكتمل الدور النيابي من دونها. أولها الوعي المجتمعي، أي الإلمام الحقيقي بالهموم اليومية للمواطنين عبر الاحتكاك المباشر والإنصات الصادق، لا عبر تقارير مكتبية معزولة عن الواقع. ثانيها الالتزام الأخلاقي، أي رفض تحويل النيابة إلى أداة لمكاسب شخصية أو حزبية، بحيث تبقى المصلحة العامة معيار القرار.
تأتي بعدها الرقابة البرلمانية، بوصف النائب رقيبًا على السلطة التنفيذية لا شريكًا صامتًا لها، يرفض الموافقة العمياء على القوانين أو الصمت أمام التقصير. كما يشدد جنبلاط على التمثيل الحقيقي، حيث يكون النائب صوت المواطنين جميعًا لا طائفته أو كتلته فقط، يعمل بعدالة لا بانتقائية داخل دائرته الانتخابية.
ويبرز العمل الميداني كعنصر أساسي، عبر حضور دائم بين الناس، وتحويل شكاواهم إلى أسئلة نيابية، ومطالبهم إلى اقتراحات قوانين قابلة للتنفيذ. أما الاستقلالية، فهي جوهر الدور النيابي: تصويت وفق القناعة لا الإملاء، ليبقى النائب رقيبًا على السلطة لا موظفًا في خدمتها، حتى لو دفع ثمن شجاعته سياسيًا.
هذه الصفات تشكل معيارًا صارمًا لقياس الأداء النيابي، وتتطلب شجاعة سياسية وأخلاقية في مواجهة الضغوط المتشابكة داخل النظام اللبناني.
الواقع اللبناني الراهن
في المقابل، تتكشف فجوة واسعة بين المثال والممارسة. فالبرلمان اللبناني تحوّل في كثير من الأحيان إلى ساحة لتقاطع المصالح الحزبية والطائفية، حيث باتت المحاصصة البوصلة الأساسية للعمل النيابي. اختُزل الدور التشريعي في تأمين حصص ومواقع، لا في صياغة سياسات عامة تعالج الأزمات البنيوية.
وظيفة النائب غدت خدماتية في حالات كثيرة، تُستبدل الرقابة بتوزيع المساعدات، ويُقاس الأداء بعدد «الواسطات» لا بعدد القوانين أو الأسئلة الرقابية. في هذا السياق، يُفرغ العمل النيابي من بعده الوطني، ويُعاد إنتاج منطق الزعامة بدل التشريع السيادي.
يزيد الفساد البنيوي من تقييد استقلالية النائب، إذ تتحكم به شبكات التمويل الانتخابي والولاءات الضيقة. تُعطَّل الرقابة تحت عناوين «التسوية» أو «الاستقرار»، وتمر قرارات مصيرية، مالية وإدارية، من دون مساءلة فعلية. الانتماءات الحزبية تهيمن على الصوت النيابي، فتهمَّش المصلحة العامة، ويصبح التمثيل شكليًا أكثر منه حقيقيًا، خصوصًا في الدورة النيابية الحالية (2022–2026)، حيث تفاقمت التحديات الاقتصادية والمعيشية إلى مستويات غير مسبوقة.
الاستثناءات وأشعة الأمل
رغم الصورة القاتمة، برزت في الدورة النيابية الحالية أصوات حاولت كسر هذا النمط، سواء من داخل المجتمع المدني أو من داخل الكتل التقليدية. طرح بعضهم أسئلة رقابية جدية، ورفض صفقات واضحة، وقدّم مشاريع قوانين إصلاحية تتناول الفساد والمحاصصة، ولو بقي تأثير هذه المحاولات محدودًا داخل منظومة تتحكم بها موازين قوى صلبة.
هذه التجارب، على محدوديتها، تؤكد أن نموذج جنبلاط ليس طوباويًا، بل قابل للتحقق متى توفرت الإرادة الصادقة، رغم الصعوبات الهيكلية التي يفرضها النظام اللبناني المعقّد.
درس جنبلاط للنواب والناخبين
النيابة تكليف ثقيل لا امتياز، تتطلب شجاعة في مواجهة السلطة، ووضوحًا في الموقف، واستعدادًا لدفع ثمن الاستقلالية. غير أن المسؤولية لا تقع على النواب وحدهم، فالناخب شريك أساسي في إنتاج النموذج النيابي، حين يعيد اختيار الزعامة الخدماتية بدل الكفاءة والمحاسبة.
تغيير الواقع يستلزم إصلاحات جذرية، تبدأ بتعزيز النزاهة، واستقلالية النواب، والعمل الميداني الفعّال، والتمثيل العادل والمتوازن. ويبقى دور الناخب حاسمًا في اختيار من يتحلون بهذه الصفات قبل يوم الاقتراع، لا بعده.
الخاتمة
إرث كمال جنبلاط ليس حنينًا إلى زمن مضى، بل خريطة طريق لإصلاح الحياة النيابية في لبنان. هو دعوة لاستعادة معنى التمثيل، وإعادة الاعتبار للبرلمان كمؤسسة تشريعية ورقابية حقيقية. فالنائب الحقيقي مرآة وعي شعبه وصوت ضميره، ولن يتغير البرلمان اللبناني ما لم يُطالَب بهذه الصفات قبل يوم الاقتراع، لا بعده، لأن المحاسبة المتأخرة لا تصنع برلمانًا، بل تبرّر فشله.




