الجمعة 11 سبتمبر 2026 بيروت
النشرة البريدية
تحليل سياسي واقتصادي معمّق — بيروت
اشترك
11 سبتمبر 2026·بيروت النشرة
الملف الاستراتيجي
الأقسام النشرة
الأرشيف والخدمات
الرئيسيةازمة لبنان
ازمة لبنان

هل أصبح لبنان مجتمعاً «ختيّاراً»؟ | بقلم عبير درويش

الولادات تتراجع والوفيات ترتفع… فهل يقترب لبنان من نقطة التحوّل الديموغرافي؟
 عندما تصبح الأرقام الديموغرافية إنذاراً للمستقبل
ليست أرقام الولادات والوفيات مجرد إحصاءات تُدرج في جداول وزارة الصحة أو دوائر الأحوال الشخصية.
إنها، في الواقع، مرآة للمجتمع.
فعندما ترتفع الولادات، فهذا يعني أن المجتمع لا يزال يمتلك قاعدة شبابية واسعة وقدرة على تجديد أجياله. وعندما تتراجع الولادات، بينما ترتفع الوفيات وتزداد الهجرة ويؤخر الشباب الزواج والإنجاب، فإن المسألة تتحول من ظاهرة اجتماعية إلى تحول ديموغرافي يمكن أن يعيد رسم مستقبل البلد بأكمله.
ومن هنا يبرز السؤال الذي يبدو قاسياً، لكنه مشروع علمياً واجتماعياً:
هل أصبح لبنان مجتمعاً يتقدم في العمر؟ وهل اقتربنا من مرحلة تصبح فيها الوفيات أكثر من الولادات؟
الإجابة بالأرقام الحالية هي: لا، ليس بعد.
لكن الاتجاه يستحق القلق والدراسة.
فبحسب أحدث البيانات المنشورة على موقع وزارة الصحة العامة، بلغ عدد الولادات اللبنانية المسجلة في عام 2025 نحو 70,986 ولادة، مقابل 33,952 وفاة لبنانية، أي أن الولادات لا تزال تتجاوز الوفيات بنحو 37 ألف حالة.
غير أن قراءة الرقم السنوي وحده قد تكون مضللة.
فالمشكلة ليست في الوضع الحالي فقط، وإنما في اتجاه المنحنى.
الأرقام تقول إن لبنان يتغير
عند مقارنة السنوات، تصبح الصورة أكثر وضوحاً.
بلغ عدد الولادات اللبنانية المسجلة نحو 90,647 عام 2017، ثم 86,179 عام 2019، قبل أن ينخفض إلى 74,049 عام 2020، و68,130 عام 2021، و62,868 عام 2022.
وفي عام 2023 ارتفع الرقم بصورة محدودة إلى 66,866، ثم إلى 65,209 عام 2024، قبل أن يسجل 70,986 عام 2025.
أما الوفيات، فكانت نحو 24,950 حالة عام 2019، ثم ارتفعت إلى 28,637 عام 2020، وبلغت 34,725 عام 2021، قبل أن تتراجع إلى 29,455 عام 2022 و26,284 عام 2023، ثم 26,715 عام 2024، لتصل إلى 33,952 عام 2025.
وهنا تظهر المفارقة:
الولادات لا تزال أعلى بكثير من الوفيات، لكن القاعدة التي كانت تنتج أعداداً كبيرة من المواليد أصبحت أضعف.
وفي الوقت نفسه، أصبح عدد الوفيات أكثر تقلباً وارتفع في بعض السنوات بصورة لافتة.
لذلك، فإن السؤال الديموغرافي اللبناني ليس:
هل مات اللبنانيون أكثر مما وُلدوا في 2025؟
بل:
هل يتجه لبنان نحو مرحلة يصبح فيها الفرق بين الولادات والوفيات صغيراً إلى درجة لا يعود فيها النمو الطبيعي قادراً على تعويض الخسائر الناتجة عن الشيخوخة والهجرة؟
وهذا سؤال مختلف تماماً.
من 90 ألف ولادة إلى 63 ألفاً تقريباً
من أكثر المؤشرات دلالة أن عدد الولادات اللبنانية المسجلة انتقل من مستويات قاربت 90 ألفاً سنوياً قبل سنوات قليلة إلى 62,868 في عام 2022.
صحيح أن الرقم تحسن بعد ذلك، إلا أن العودة إلى 70,986 في 2025 لا تعني أن الأزمة الديموغرافية انتهت.
فالارتفاع الأخير لا يعيد لبنان إلى المستويات التي كان يسجلها قبل الأزمة.
إذا قارنا 2019 بـ2025، نجد أن الولادات اللبنانية المسجلة تراجعت من 86,179 إلى 70,986، أي بنحو 17.6%.
أما إذا قارنا 2017، عندما سجلت الولادات 90,647، بعام 2025، فإن التراجع يقارب 21.7%.
وهذه ليست حركة بسيطة في جدول إحصائي.
إنها تعني أن عدد الأطفال الذين يدخلون المجتمع اللبناني كل سنة أصبح أقل بكثير مما كان عليه قبل أقل من عقد.
لماذا ينجب اللبنانيون أقل؟
لا يوجد سبب واحد.
الديموغرافيا لا تتغير نتيجة عامل منفرد، بل نتيجة تفاعل مجموعة واسعة من العوامل الاقتصادية والاجتماعية والثقافية.
الزواج نفسه أصبح أكثر تأخراً أو أقل حدوثاً لدى شرائح من الشباب.
والإنجاب مرتبط بالزواج في جزء كبير من المجتمع اللبناني، ولذلك فإن انخفاض معدلات الزواج أو تأخره ينعكس حكماً على توقيت الإنجاب وعدده.
ثم تأتي الأزمة الاقتصادية.
فإنجاب طفل في لبنان لم يعد مجرد قرار عاطفي أو عائلي.
إنه قرار اقتصادي أيضاً.
كم تبلغ كلفة الحضانة؟
كم تبلغ الأقساط المدرسية؟
ماذا عن الطبابة؟
ماذا عن النقل؟
ماذا عن السكن؟
ماذا عن التعليم الجامعي؟
وماذا عن مستقبل الطفل في بلد يعاني أزمة اقتصادية ويشهد هجرة مستمرة؟
وهكذا يصبح السؤال لدى كثير من الأزواج:
هل نستطيع أن نؤسس عائلة في هذه الظروف؟
«الطفل الثاني» أصبح قراراً اقتصادياً
يمكن ملاحظة التحول من خلال مثال بسيط.
في السابق، كان من المألوف أن تنتمي الأسرة اللبنانية إلى نمط عائلي أكبر نسبياً، حيث يكون وجود ثلاثة أو أربعة أطفال أمراً طبيعياً في شرائح اجتماعية واسعة.
أما اليوم، فإن الأسرة الشابة قد تقول:
لدينا طفل واحد.
ننتظر حتى تتحسن الظروف.
ثم تمر السنوات.
ترتفع كلفة التعليم.
يرتفع سعر السكن.
تزداد ساعات العمل.
ويصبح الإنجاب الثاني مؤجلاً أو مستبعداً.
هذه القرارات الفردية، عندما تتكرر آلاف المرات، تتحول إلى ظاهرة ديموغرافية وطنية.
وهنا تكمن قوة علم الديموغرافيا:
ما يبدو قراراً شخصياً داخل منزل واحد يصبح بعد سنوات رقماً يغير شكل المجتمع بأكمله.
لبنان لا يعاني من «انقراض سكاني»… لكنه يتجه نحو الشيخوخة
من الخطأ العلمي القول إن لبنان أصبح مجتمعاً عجوزاً بالكامل.
لكن من الصحيح القول إنه يواجه مساراً متزايداً نحو الشيخوخة السكانية.
وتشير البيانات الرسمية إلى ارتفاع نسبة كبار السن ضمن التركيبة السكانية اللبنانية، فيما تؤكد وزارة الصحة أن تقديرات السكان المقيمين اللبنانيين نفسها شهدت تغيرات مرتبطة بالأوضاع الديموغرافية والهجرة.
كما أن صندوق الأمم المتحدة للسكان يضع التغيرات السكانية، بما فيها الشيخوخة، ضمن القضايا التي ينبغي دمجها في السياسات التنموية والتخطيط العام في لبنان.
وهنا يجب فهم معنى «الشيخوخة السكانية».
هي لا تعني ببساطة أن الناس أصبحوا يعيشون طويلاً.
إنها تعني أن نسبة كبار السن من مجموع السكان ترتفع، بينما تتقلص حصة الأطفال والشباب.
وهذا يحدث عندما تنخفض الخصوبة ويستمر الناس في العيش لفترة أطول، وتترافق العملية في لبنان مع الهجرة، وخصوصاً هجرة الشباب.
الهجرة: الحلقة الأخطر في المعادلة
إذا كانت قلة الولادات مشكلة، فإن هجرة الشباب تضاعف المشكلة.
فاللبناني الذي يهاجر في العشرينات أو الثلاثينات من عمره ليس مجرد شخص يغادر البلد.
إنه في كثير من الأحيان شخص كان يمكن أن:
يتزوج في لبنان.
ينجب أطفالاً في لبنان.
يعمل وينتج داخل الاقتصاد اللبناني.
يساهم في الضمانات الاجتماعية.
يدعم أسرته.
ويكون جزءاً من القوة العاملة التي تعيل الفئات الأكبر سناً.
عندما يغادر، يخسر لبنان جزءاً من رأس ماله البشري والديموغرافي.
والأخطر أن بعض المهاجرين يؤسسون عائلاتهم خارج لبنان، فيولد أطفالهم في بلدان أخرى.
وهكذا لا يخسر لبنان شاباً أو شابة فقط، بل قد يخسر جيلاً كاملاً من الولادات المستقبلية.
ماذا يحدث عندما تصبح الولادات قليلة؟
هنا نصل إلى جوهر المشكلة.
لنفترض مجتمعاً يسجل 100 ألف ولادة سنوياً.
بعد عشرين عاماً، سيكون لديه عدد كبير من الشباب الذين يدخلون سوق العمل والجامعات.
لكن إذا أصبح المجتمع يسجل 60 ألف ولادة فقط، فإن عدد الداخلين إلى الفئة العمرية الشابة سيكون أقل بكثير بعد عقدين.
وهذا يعني:
طلاباً أقل في المدارس.
طلاباً أقل في الجامعات.
عاملين أقل في سوق العمل.
مساهمين أقل في أنظمة التقاعد.
مستهلكين أقل.
وفي المقابل، عدد أكبر نسبياً من كبار السن الذين يحتاجون إلى الرعاية الصحية والاجتماعية.
وهنا يتحول الملف من قضية «ولادات» إلى قضية اقتصاد ودولة وخدمات عامة.
ماذا يعني ذلك لسوق العمل؟
الديموغرافيا والاقتصاد وجهان لعملة واحدة.
اقتصاد أي دولة يحتاج إلى قوة عاملة شابة ومنتجة.
إذا انخفض عدد الشباب، قد تواجه الدولة مستقبلاً نقصاً في العاملين في قطاعات أساسية.
وقد يصبح المجتمع بحاجة إلى استقدام العمالة من الخارج لتعويض النقص.
وفي المقابل، ترتفع الحاجة إلى الإنفاق على الرعاية الصحية والاجتماعية لكبار السن.
أي أن الدولة قد تواجه معادلة صعبة:
عدد أقل من العاملين يمول احتياجات عدد أكبر من المتقاعدين وكبار السن.
وهذا أحد الأسباب التي تجعل الشيخوخة السكانية قضية استراتيجية وليست مجرد ظاهرة اجتماعية.
المدارس والجامعات ستشعر بالتحول
قد يبدو الأمر بعيداً عن الحياة اليومية، لكنه ليس كذلك.
إذا استمر انخفاض الولادات، فإن المدارس ستبدأ بعد سنوات في استقبال أعداد أقل من الأطفال.
ثم تنتقل التأثيرات إلى الجامعات.
وقد تضطر بعض المؤسسات التعليمية إلى خفض عدد الصفوف أو تغيير برامجها أو إعادة توزيع مواردها.
وهذا يعني أن التغير الديموغرافي لا يغير عدد السكان فقط؛ بل يغير شكل المؤسسات التي تخدمهم.
وحتى قطاع العقارات قد يتأثر.
فالمجتمع الذي تتراجع فيه الأسر الكبيرة قد يحتاج إلى مساكن مختلفة عن مجتمع كانت فيه الأسرة تضم أربعة أو خمسة أطفال.
إنها سلسلة طويلة من التأثيرات تبدأ من قرار شاب وشابة بشأن الإنجاب، وتنتهي بتغيير في بنية الاقتصاد.
الوفيات: لماذا ارتفعت؟
يجب هنا أيضاً عدم التسرع في تفسير الارتفاع.
ارتفاع عدد الوفيات في سنة معينة لا يعني تلقائياً أن صحة اللبنانيين تدهورت بالدرجة نفسها.
فعدد الوفيات يتأثر بحجم السكان وبتركيبهم العمري، وبوجود نسبة أكبر من كبار السن، وبالأزمات الصحية والأمنية، وبالحروب والكوارث، وباكتمال تسجيل الوقائع الحيوية.
وتظهر بيانات وزارة الصحة نفسها تفاوتات كبيرة بين السنوات، ما يؤكد ضرورة قراءة السلسلة الزمنية كاملة وعدم بناء استنتاجات نهائية على سنة واحدة.
كما يجب التمييز بين عدد الوفيات ومعدل الوفيات.
قد يرتفع العدد لأن المجتمع أصبح أكبر أو أكبر سناً، من دون أن يعني ذلك بالضرورة ارتفاع احتمال الوفاة لدى كل فرد.
وهذا تمييز أساسي في أي تحليل ديموغرافي علمي.
الحرب تضيف عاملاً جديداً إلى المعادلة
لا يمكن فصل الوضع الديموغرافي اللبناني عن الحروب وعدم الاستقرار.
فالحرب لا تؤثر فقط في عدد الضحايا.
إنها تؤثر في الزواج، والإنجاب، والهجرة، والصحة، والاستقرار النفسي، والدخل، والسكن، وفرص العمل.
وفي أحدث تقارير صندوق الأمم المتحدة للسكان عن لبنان، وصفت المنظمة الوضع الإنساني خلال 2026 بأنه شديد التقلب، مع نزوح واسع وحاجة كبيرة إلى خدمات الصحة الإنجابية، ما يوضح أن الأزمات الأمنية يمكن أن تؤثر مباشرة في الظروف التي تتخذ فيها الأسر قرارات الإنجاب وتكوين الأسرة.
فالزوجان اللذان يعيشان تحت القصف أو النزوح أو البطالة أو الخوف من المستقبل لن يتخذا بالضرورة قراراتهما الأسرية بالطريقة نفسها التي يتخذانها في مجتمع مستقر.
وهكذا تصبح الحرب عاملاً ديموغرافياً غير مباشر حتى عندما لا تكون المسألة مرتبطة مباشرة بعدد الضحايا.
هل سيأتي اليوم الذي تصبح فيه الوفيات أكثر من الولادات؟
نعم، هذا احتمال ديموغرافي ممكن، لكن لا يمكن تحديد موعده بدقة من هذه الأرقام وحدها.
فالوصول إلى مرحلة تتجاوز فيها الوفيات الولادات يعتمد على مجموعة عوامل:
انخفاض الخصوبة.
الهجرة.
العودة أو عدم العودة.
التركيب العمري للسكان.
معدلات الزواج.
متوسط العمر المتوقع.
الصحة العامة.
الأوضاع الاقتصادية.
والاستقرار السياسي والأمني.
لذلك، فإن القول إن لبنان سيصل حتماً إلى مرحلة تصبح فيها الوفيات أكثر من الولادات هو تنبؤ يحتاج إلى نماذج سكانية طويلة الأجل.
لكن المؤكد أن الفارق الحالي ليس ضمانة للمستقبل.
فإذا استمرت الولادات عند مستويات منخفضة أو انخفضت مجدداً، بينما ترتفع حصة كبار السن، فإن الفارق الطبيعي سيضيق.
وعند نقطة معينة يمكن أن يصل المجتمع إلى ما يسمى النمو الطبيعي الصفري، أي عندما يصبح عدد الولادات قريباً جداً من عدد الوفيات.
وبعدها، إذا تجاوزت الوفيات الولادات، يصبح النمو الطبيعي سالباً.
وهنا تبدأ مرحلة ديموغرافية مختلفة تماماً.
مثال من فرنسا… لكن بحذر
المقارنة مع فرنسا مفيدة، لكن يجب ألا ننقل التجربة الفرنسية إلى لبنان بصورة آلية.
ففرنسا تمتلك مؤسسات ديموغرافية وإحصائية مختلفة، ونظاماً اجتماعياً واقتصادياً مختلفاً، كما أن معدلات الخصوبة والهجرة ومتوسط العمر تختلف عن لبنان.
لكن التجربة الفرنسية تظهر أن انخفاض الولادات وارتفاع الشيخوخة يمكن أن يصبحا قضية وطنية حتى في الاقتصادات المتقدمة.
والدرس الذي يمكن أن يستفيده لبنان ليس أن «ما حدث في فرنسا سيحدث حتماً هنا»، بل أن التحولات الديموغرافية يمكن أن تصبح فجأة قضية سياسية واقتصادية مركزية عندما تصل إلى مرحلة تؤثر فيها في سوق العمل والضمان الاجتماعي والإنفاق العام.
ماذا يجب أن يفعل لبنان؟
المشكلة الديموغرافية لا تعالج بشعار «أنجبوا أكثر».
فقرار الإنجاب شخصي، ولا يمكن للدولة أن تفرض على الأسر عدد أطفالها.
لكن الدولة تستطيع أن تجعل تكوين الأسرة أقل كلفة وأكثر أماناً.
وهذا يتطلب سياسات واضحة:
دعم الأسرة والأمومة والأبوة.
تحسين خدمات الرعاية الصحية للأم والطفل.
تطوير الحضانات بأسعار مقبولة.
دعم التعليم وتخفيف كلفته.
تأمين النقل والخدمات الاجتماعية.
توفير سياسات إسكان تساعد الشباب.
خلق فرص عمل مستقرة.
دعم الزواج وتكوين الأسرة بصورة غير مباشرة من خلال تحسين الظروف الاقتصادية.
الحد من هجرة الشباب عبر خلق فرص حقيقية داخل لبنان.
تطوير نظام رعاية متكامل لكبار السن.
بناء قاعدة بيانات ديموغرافية وطنية دقيقة ومحدثة.
والأهم هو الانتقال من إدارة الأزمات إلى التخطيط الديموغرافي طويل الأمد.
المطلوب ليس زيادة عدد السكان فقط
قد يكون من الخطأ أيضاً أن يكون الهدف مجرد زيادة عدد السكان.
المطلوب هو بناء مجتمع متوازن من حيث الأعمار.
مجتمع يضم أطفالاً وشباباً وعائلات وقوة عاملة وكبار سن، بحيث تستطيع كل فئة أن تستفيد من الفئات الأخرى.
فالشاب يحتاج إلى المدرسة والجامعة والعمل.
والعامل يحتاج إلى اقتصاد منتج.
والأسرة تحتاج إلى خدمات.
وكبير السن يحتاج إلى رعاية وضمان صحي واجتماعي.
إذا اختل هذا التوازن، تتأثر الدولة بأكملها.
الخلاصة: لبنان ليس مجتمعاً «ختيّاراً» بعد… لكنه يسير في هذا الاتجاه
الأرقام الرسمية لا تسمح بالقول إن لبنان أصبح بلداً يموت فيه أهله أكثر مما يولدون.
في عام 2025، كانت الولادات اللبنانية المسجلة 70,986 مقابل 33,952 وفاة، أي أن الولادات لا تزال تتجاوز الوفيات بفارق كبير.
لكن قراءة السنوات السابقة تكشف اتجاهاً أكثر إثارة للقلق:
الولادات أصبحت أقل من مستوياتها السابقة، والوفيات أصبحت أعلى وأكثر تقلباً، والهجرة تستنزف جزءاً مهماً من الفئات الشابة، والزواج والإنجاب يتأثران بالواقع الاقتصادي والاجتماعي والأمني.
وهذا يعني أن السؤال الحقيقي ليس:
هل أصبح لبنان مجتمعاً ختياراً؟
بل:
هل نحن نعيش الآن المرحلة التي تسبق الشيخوخة الديموغرافية الكبرى؟
ربما.
والأرقام تستحق أن تجعلنا أكثر يقظة.
لأن الديموغرافيا لا تتحرك بسرعة السياسة.
القرار الذي يتخذه شاب اليوم بعدم الزواج أو تأجيل الإنجاب يظهر أثره في أعداد السكان بعد سنوات.
والطفل الذي لا يولد اليوم لن يدخل المدرسة بعد ست سنوات، ولن يدخل الجامعة بعد 18 عاماً، ولن يدخل سوق العمل بعد 20 أو 25 عاماً.
أي أن الأزمة الديموغرافية التي لا نراها اليوم قد تصبح أزمة اقتصادية واجتماعية واضحة بعد عقدين.
وهنا تكمن خطورة المسألة.
لبنان لا يواجه فقط أزمة في عدد السكان.
إنه يواجه سؤالاً أكبر:
من سيكون لبنان بعد عشرين أو ثلاثين عاماً؟
هل سيكون مجتمعاً شاباً قادراً على تجديد نفسه؟
أم مجتمعاً أكبر سناً، أقل ولادات، أكثر اعتماداً على تحويلات المغتربين، وأكثر حاجة إلى العمالة الخارجية والرعاية الاجتماعية؟
الجواب لن تحدده أرقام الوفيات وحدها.
سيحدده أيضاً ما ستفعله الدولة اليوم في الاقتصاد، والصحة، والتعليم، والإسكان، وفرص العمل، ودعم الأسرة، والهجرة.
فالولادة ليست مجرد طفل جديد.
إنها إضافة إلى مستقبل الوطن.
والوفاة ليست مجرد رقم في سجل.
إنها جزء من دورة ديموغرافية تحدد شكل المجتمع.
وبين الولادة والوفاة، يقف لبنان أمام حقيقة لا يمكن تجاهلها:
قد لا يكون لبنان قد أصبح مجتمعاً «ختيّاراً» بعد… لكن الساعة الديموغرافية بدأت تدق.
عن الكاتب عبير درويش، كاتبة وصحافية لبنانية متخصّصة في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية عبير درويش، كاتبة وصحافية لبنانية متخصّصة في الشؤون الاقتصادية والاجتماعية، تمتلك خبرة تفوق عشرين عامًا في الإعلام المرئي والمكتوب وإدارة المحتوى الرقمي. عملت مع مؤسسات محلية وعربية بينها East News وBelwasat.com، وأسّست موقع mintandhint.com الاقتصادي. تولّت إدارة حملات التواصل الاجتماعي لمؤسسات فكرية وإنسانية كـمؤسسة الفكر العربي والجمعية اللبنانية لمكافحة السرطان، وقدّمت برامج اقتصادية عبر تلفزيون لبنان وNBN. تجمع في عملها بين الدقة المهنية والحس الإنساني، ما يجعلها صوتًا موضوعيًا في تناول قضايا الاقتصاد والمجتمع.
تبحث عن المزيد؟