ازمة لبنانالاحدث

ويلٌ لدولة مُعقودة آمال مواطنيها على أقوال عرّافيها | بقلم العميد المتقاعد د. عادل مشموشي

طوال عقود خلت كان معظم اللبنانيين يفضّلون قضاء ليلة رأس السنة الميلادية في منازلهم يتابعون سَهراتٍ فنيَّةٍ راقيَة كانت تُنقلُ مُباشَرَةً على شاشاتِ مَحطَّاتِ التَّلفزَةِ اللبنانيَّة، إلَّا أنهم منذ عدَّةِ سنوات بدأوا يفتقدون لتلك الحفلات التي حلَّ مَحلَّها استضافَةِ أشخاصٍ يَزعَمون عِلمَهم بالغَيب، وفي الوَقت عينه يرفضون نعتَهُم بالمُشعوِذين، يُطلقون العنان لتَكهُّناتٍ سَوداوِيَّةٍ يزعمون أنها رؤى روحانيَّة، وهي في الحَقيقةِ أقربُ إلى الهلوساتٍ كونها غير مَبنيَّة على تَفكيرٍ أو تَحليلٍ مَنطِقِيين. ورغم ذلك تراهم يتصدَّرونَ الشاشاتِ ليلة راس السَّنة، ويحاولون الإيحاء بأن الروح القُدس قد حلَّ عليهم، وأطلعهم على كل ما لديه من أسرار، وما ينتظِرُ العالَمَ أجمَع من مُفاجآت، فتراهم ينتقلون في رحابِ المعمورة عابرين المُحيطات، لينبئونا بطالِع دولِ العالم المُتناثِرَةِ على القارَّاتِ الخمس، وفي الوقت عينه لا يفوتُهُم التَّطرُّقُ إلى أخبار صِغارِ الفَنَّانين، والأميراتِ السَّخِيَّاتِ والمُلوكِ أصحابِ المَكرُمات، ويُخشى أن يدفَعَ الغُرورُ بأحدِهِم يوماً ما إلى ادِّعاءِ النُّبوَّةِ أو الألوهِيَّة.

 

تسليطُ الضَّوء على العرّافينَ والتَّداولِ بمَزاعِمِهِم نَظيرُ شُؤمِ، ودلالةٌ واضِحةٌ على حالَةِ الإحباطِ التي وصل إليها اللبنانيون، وانعدامِ الثِّقةِ بمن يتولى تدبيرَ شؤونهم، ويُردُّ ذلك للسِّياساتِ الخاطئة التي اعتَمدَها من تعاقبوا على السُّلطةِ طوالَ العُقودٍ الثلاثةِ المنصَرِمَة. وللنتائجِ الكارثيَّةِ التي أسفرَت عنها تلك السِّياساتُ في مُختلِفِ القِطاعاتِ السِّياسِيَّةِ والاقتِصادِيَّةِ والمالِيَّةِ والنَّقدِيَّة والاجتِماعِيَّةِ والتَّربويَّةِ… إلخ.

 

إن الاحتِفاءَ بمناسبة الانتقالِ من سنةٍ ميلادِيَّةٍ لأخرى أمرٌ مشروع، بل هو حَقٌّ لِكُلِّ من تمكَّن من تحقيقِ إنجازاتٍ خِلال العام الفائت ويتطلَّعُ إلى تحقيقِ المَزيدِ من النَّجاحاتِ خِلالَ العامِ القادِم، أما الفاشِلون أمثالنا نحن اللبنانيين فهم مُطالبونَ في مثلِ هذه المُناسباتِ بإجراءِ جردةٍ تقييميَّةٍ لنُحدِّدَ مَجالات فشلِنا ولنتبيَّنَ أسبابِ إخفاقاتِنا، ولنتعلمَ من أخطائِنا ونستقي العِبَرَ من تجارُبِ الآخرين النَّاجِحَة، وأخيراً لتَجَنُّبِ المُضِيِّ قُدُماً بذاتِ المُقارَباتِ التي أودت بنا إلى آتون ما نتخبَّطُ به من أَزماتِ خانقة، لأنها ستأتي بنتائج مُشابِهَة.

 

المسؤولون في لبنان مدعوون للتَّفَكُّرِ بما نحن فيه، وعليهم أن يُدرِكوا أن الوضع الراهن يَتجاوزُ كونه مُجرَّدَ أزمةٍ تقليديَّةٍ عابِرَة، بل نحن بصَددِ انهيارٍ مُحتَّم إن لم يتداركوا الوضع قبل فواتِ الأوان، انهيار سيَطالُ مَنظومَةَ الحُكمِ برُمَّتِها، ولن ينجو منه أيُّ مُكوِّنٍ من مكوّنات الدَّولة السياسيَّةِ والقضائيَّةِ والإداريَّة، ذلك أن الشَّلَلَ قد أصابَ القطاع العام برمَّتِه، ولم يسلم منه أيةُ إدارة في الدَّولَةِ أو ومؤسَّسة عامَّةِ أو هيئة أو مَجالِسِ أو جهازِ من أجهزتها، ذلك لأن الخللَ لم يَعُد مَحصوراً في شِحِّ المَوارِدِ أو في مجرد اختِلالاتِ اقتِصادِيَّةِ ومالِيَّة ونَقدِيَّة عابرة، بل أصبحَ معشعشاً في الثَّقافَةِ السَّائدةِ حول مُمارسَةِ السُّلطَةِ وتولي الوظيفةِ العامَّة، بحيث استُبدلَ فيها الإنتاجُ بالكلام، والفِعلُ بالوعود، والمُساءلةُ بتَبريرِ الإخفاقات والمساءلةُ بالإفلات من العقاب، وبدت الدولةُ وكأنها عاجزةٌ عن القيامِ بأدنى واجباتها وقاصرةٌ عن تحمّل مسؤولياتها.

 

قد يرى البعضُ أن مثلَ هذا الكلام لم يعد يجدي نفعاً مع مَسؤولين صُمَّت آذانهم، وعَمتْ أبصارهم عن معاناة مواطنيهم، إلَّا أن ذلك لن يمنعُنا من تسليطِ الضَّوء إلى ما وصلَ إليه الأمرُ في القِطاعِ العامِ من شلل وسوء أداء. الأمرُ الذي انعكسَ على مستوى الانتاجيَّةِ ونوعيَّةِ الخَدماتِ التي من المفترضِ أن تُوَفَّرَ للمُواطنين بجودَةٍ عاليَةٍ وبأوقاتٍ قياسيَّة. ويعزى ذلك لأن معظمَ إداراتِ الدَّولةِ تُدارُ بموظَّفين يعملون كروبوتاتٍ مبرمجةٍ وفقَ ما تُلقَّنُ من مراجِعِها السِّياسيَّة، في الوقت الذي يُفترَض بهم أن يعملوا من وحي ضَمائرِهِم وحسِّهم الإنساني وانتمائهم الوطني. وأن معظَمَ الوزراء على ذاتِ الشَّاكلةِ، بل أسوأ إذ تراهم يلتزمون الصَّمت حيث يتوجَّبُ الكَلام ويغيبون عن السَّاحة عندما تعزُّ المواقفُ تجاه الأمور المَصيريَّة، ويُسارعون إلى تبنّي النَّجاحات ويتهرَّبونَ من المَسؤولِيَّةِ إبَّانَ الأزماتِ ولا أثرَ لهم في رَسمِ السِّياساتِ العامَّةِ للدَّولَة.

 

ألم يحن الأوان بعد لأن يُدركَ كبارُ المسؤولين في الدَّولةِ والوزراء بصورةٍ خاصَّة، أن القطاع العام يُشكّلُ العَمودَ الفِقري للدَّولَة التي يشرفون على إدارتِها، وأنه مُصابٌ بشَللِ شبه تام نتيجَةَ مُقارباتِهم التَّرقيعِيَّةِ لملفِّ رواتِبِ المُوظَّفين وتعويضاتِهِم، ولاعتِمادِهم منهجيَّةً قائمةً على التَّمييع والتَّسكين المَوضعي المؤقَّت؟ ألم يحن الأوان بعد لاعتمادِ مهجٍ إصلاحيٍّ شاملٍ يبدأ بإصلاح القطاع العام؟ يبدأ بإعادة هيكلةٍ مُختلف إداراتِ الدَّولةِ وإنصافِ العامِلين فيها باعتِمادِ مُقارَبَةٍ مَبنِيَّةٍ على وِحدَةِ المَعايير، والحرصِ على تَحفيزِ المُوظَّفين برواتِبَ مُنصِفَةٍ وعادِلَةٍ تقيهم العوزَ وتحميهم من الفاسدين والمفسدين، وإن الإمعانَ في الافتئاتِ على حقوقهم والإصرارَ على إذلالهم بلقمةِ عيشهم يؤدي إلى إحباطِ العِصامِيين مِنهُم وهدر طاقاتِهِم، في الوقت الذي يتوجَّبُ فيه استِغلالَ طاقاتهم وقُدُراتِهِم لا استِنزافِهم بقصد استفزازهم ودفعهم للإضراب وتعطيل المرافقِ العامَّة.

 

وعليهم أن يعوا أنه لم يعُد من المقبول أن تَعملَ إداراتُ الدَّولَةِ بحضور نُصفي ودواماتٍ مُجتزأة وقُدُراتٍ مَنقوصَة، ولم يعد من الجائزِ أن تُدارَ شُؤونُ المُواطِنينَ وتلبيَةُ احتياجاتهم الإداريَّةِ والمرفقيَّةِ وفقَ إيقاعِ يَومين أو ثلاثة أيام عمل طيلةَ الأسبوع، فيما يُعاني الأفراد المؤسساتُ الخاصَّةُ الأمرين من مزاجيَّةِ بعضِ الموظَّفين وحالةِ الاهتراءِ والتَّرهُّلِ والاستنسابِيَّةِ في التَّعامل مع طالبي الخدمات، وضعفِ الانتاجيَّةِ وتردّي مستويات جودةِ الخدماتِ التي يوفرها القطاع العام.

 

إن الشَّللَ الإداري وضعفِ الانتاجيَّةِ لم تعُد آثارهُ مَحصورةً داخِلَ أقبيَةِ القِطاعِ العام، بل تسرَّبت إلى مُجملِ ثنايا الاقتِصادِ الوَطني، ويُردُّ ذلك للتَّأخيرِ في إنجازِ المُعامَلات، ولتَعطيلِ القرارات، وغِيابِ الخَدماتِ الأساسِيَّة وتردّي البنى التَّحتيَّة. ولقد أدَّت تلك العَوامِلُ مُجتمِعَةً إلى القضاءِ على المُبادراتِ الفردِيَّة وأرهَقتِ القِطاعَ الخاص، بعد أن طاولت الدورة الاقتصادية برمَّتها فأربكتها وأنهكتها بإجراءات بيروقراطِيَّةٍ ثَقيلَة وقوَّضت الإنتاج القومي.

 

ويردُّ كُلُّ ذلك الخلل في تسيير القطاع العام لافتقار إداراتِ الدَّولة للشَّفافيَةِ في إنجازِ مُعظَمِ المُعامَلاتِ الإدارِيَّة، حيث تَسودُ الفوضى وتتحكَّمُ الاستِنسابِيَّةُ في مَسارِ الكثيرِ من مُعامَلاتِ المُواطِنين العصاميين. حيث لا مَعاييرُ مُوحّدةٍ ولا ضوابِطٌ فاعلة، ولا شُروطٌ واضِحَة لقُبولِ المُعاملاتِ أو رَفضِها، ولا مُهلٌ زمنِيَّةٌ مُحدَّدَةٌ لإنجازها. وإن قبول المعاملاتِ وإجابةِ الطلباتِ رهن مزاجيَّةِ بعضِ الموظَّفين المتنفذين، القادرين على قبول معاملاتِ غير مستوفية الشروط ورفضِ أخرى كاملة، واحتِجازِ بعضِها في دروجِ مكاتبهم من دون البت فيها التماساً لرشوة أو بانتظار ما تُسفرُ عنه المُراجَعات أو التَّوصِياتِ أو التَّدخُّلاتِ… إن ما نلحظَهُ اليوم من سُلوكِيَّاتٍ وظيفيَّةٍ في بعضِ إداراتِ الدَّولة لمؤسِفُ ومدعاةٌ للقلق، كونه يُفرِّغُ المَرفِقَ العامَّ من غايةَ وجوده، ويجرِّدُ الموظَّف من مناقبيَّتِه ويفتَحُ البابَ واسِعاً أمامَ التَّعسُّفِ واستِغلالِ النُّفوذِ وتَفشي الفَساد.

 

وللحدِّ من المزاجيَّة في التَّعامُلِ مع طالبي الخِدمات، والاستنسابيَّة في بناء القراراتِ والتَّأخير المتعمّد في إنجاز المعاملات لا بُدَّ من إلزامِ الموظَّفين بإنجاز المعاملات خلال مهل معقولة، وتعليل قراراتِهِم القاضِيَةِ بالرَّفضِ أو عَدمِ الإجابَة، ليتسنّى لأصحابِ العلاقَةِ والمُتضررين من سبوكِ طرق الطَّعنِ في القراراتِ الجائرة، ومُساءلَةِ الفاسدين الذي يُسَخِّرونَ الصَّلاحِيَّاتِ المُخوَّلةِ لهم بحكمِ لأغراض غير مشروعة.

 

إن الإصرار على اعتمادِ آلياتٍ راديكاليَّة باليَةِ لا يُنتجُ سوى دولة فاشلة متخلفة، وإدارة فاقدة للثِّقَة، والإحجامِ عن استغلال ما تُوفِّرُه التِّقنياتُ الرقميَّةُ من تسهيلات، تُساعدُ على تسريع تلبيَة الخدماتِ وتحسين مستوى جودتها، وتمكين المواطنين من تقديم مُعاملاتِهِم ومُتابعتِها عن بُعد وتبعدهم عن شبح الفساد. ومن المعيب أن نبقى متخلفين عن ركب التَّطور محافظين على الأنماط الإداريَّة البيروقراطيَّةِ التي تُثقل كاهل المواطنين بدلا من السَّعي إلى التخفيف عنهم، وإعفائهم من الوقفِ مُطوَّلاً في طَوابير أو فوضى عارمَة.

 

إن تحديث القطاع العام ليس ترفاً إداريًّا، إنما عاملٌ أساسيٌّ في إصلاح الدَّولة والنهوضِ بها، وهو لا يتحَقَّق بخطاباتٍ شعبويَّة ولا بإيحاءاتِ العرّافين، إنما برؤيةٍ ثاقبةٍ وإرادةٍ صلبةٍ وجهودٍ مضنية. وإن لم نتحلَّ بذلك سنستمرُ في توارثِ الفَشلِ والعيشِ في كنفِ دولةٍ فاشلة.

العميد الدكتور عادل مشموشي

عادل مشموشي محامي وعميد سابق في قوى الأمن الداخلي، حائز على دكتوراه في الحقوق، متخصص في القانون الجزائي لديه مؤلفات عدة: -ضمانات حقوق الخصوم ما قبل المحكمة -ضمانات حقوق الخصوم خلال المحاكمة أمام مختلف المحاكم الجزائية -الإرهاب (مفهومه أسباب ايديولوجياته أطر مكافحته) المخدرات (ماهيتها؟ أنواعها، إساءة التداول بها، أطر مكافحتها) - جرائم المعلوماتية - إدارة الأزمات والكوارث- التخطيط الستراتيجي. لديه عدد من الأبحاث القانونية والأمنية منها: -تببيض الأموال - محاكمة الرؤساء والوزراء -التحقيق الاول - الدفاع المشروع -المسؤولية الجزائية للهيئات المعنوية - جرائم الشخص المعنوي -المحرض -عقوبة الإعدام شارك في العديد من الندوات والمؤتمرات الإقليمية والدولية ذات العلاقة في شؤون أمنية - قانونية. تولى رئاسة قطعات أمنية تعنى بمكافحة الجرائم المنظمة ومكافحة الفساد•

مقالات ذات صلة

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *

زر الذهاب إلى الأعلى