ليس الأردن مجرد دولة، إنه فكرة. فكرة نجت لأنها قامت على العقل لا على الانفعال. في إقليم يمور بالعواصف، ظل الأردن واحة اتزان. وهذا ليس صدفة جغرافية، بل هو ثمرة حكمة هاشمية أدركت مبكراً أن الدولة لا تُبنى على الغلبة، بل على الشراكة، وأن التنوع ليس عبئاً يُدار، بل هو سر يُصان.
غير أن هذا الاتزان يواجه اليوم امتحاناً عسيراً. فالهاجس الذي يسكن قلب المسيحي المشرقي ليس خوف أقلية، بل هو قلق الشاهد. قلق من يرى أرضاً تُفرّغ من ذاكرتها.
كان البابا بينيديكتس راتزينغر يردد أن أزمة عصرنا ليست أزمة إيمان بقدر ما هي أزمة عقل. عقل فقد القدرة على رؤية الحقيقة. وما جرى في المشرق خلال سبعين عاماً هو بالضبط هذا الانحدار من العقل إلى الغريزة.
من نكبة 1948 إلى حروب لبنان، ومن انهيار الدولة في العراق وسوريا إلى فوضى ما سمي بالربيع العربي، المسار واحد: تفكيك الإنسان المشرقي المركب لصالح هوية أحادية مغلقة. والنتيجة المنطقية لهذا التفكيك هي ما يمكن تسميته “تجريف التنوع”.
فالمسيحي المشرقي ليس جالية وافدة ولا ضيوفاً على هذه الأرض، إنه حجر من حجارتها. وعندما يُقتلع هذا الحجر، لا يخسر المسيحيون وحدهم، بل يخسر المشرق نفسه منطقه التعددي. يخسر قدرته على أن يكون مشرقاً.
وهنا يظهر الوجه الآخر للأزمة، ما نسميه: الاضطهاد المزدوج
اضطهاد خارجي، يتمثل في العنف الأعمى الذي استهدف الكنائس، من معلولا في سوريا إلى الكرك في الأردن، في انتهاك صارخ لما هو مقدس.
واضطهاد داخلي، أخطر وأعمق، يتمثل في فتور المحبة. حين تتراجع الجماعة عن التزامها الجذري بالإنجيل، وتستبدل الشهادة الحية بالانكفاء والخوف. فالخطر الحقيقي على الوجود المسيحي ليس أن يُضطهد، بل أن ينسى لماذا هو موجود.
ففي مواجهة منطق الفوضى، يقدم الأردن منطق الدولة. ويقوم هذا المنطق على ثلاث ركائز، صاغتها الخبرة الهاشمية بوعي:
الدولة التي تحكم بالحوار والاعتدال، لا بشعارات التكفير والغلبة. فالملوك الهاشميون أدركوا أن أمن المواطن وكرامته هو أساس الشرعية، لا الأيديولوجيا.
الرعاية الهاشمية للمقدسات، الإسلامية والمسيحية في القدس، ليست شعاراً سياسياً، بل هي إعلان لاهوتي بأن هذه الأرض لا تحتمل الإقصاء. المسيحي والمسلم شريكان في قداسة المكان.
فالأردن لم يتعامل مع المسيحيين بمنطق التسامح الفوقي، بل بمنطق المواطنة الكاملة. وهذا فارق جوهري. فالتسامح يفترض أن هناك من يمنح وآخر يُمنح له. أما التجذر فيعني أننا جميعاً أبناء هذه الأرض، متساوون في الحقوق والواجبات، نتفاضل بقدر ما نسهم في بنائها.
وما العمل؟ الإجابة على “اليد العابثة بالتاريخ”، كما كان يحب البابا بينيديكتوس راتزينغر أن يصف الأيديولوجيات، لا تكون بالبكاء على الأطلال، بل بفعل إيماني عقلاني ثلاثي:
أن يعود المسيحي المشرقي إلى جوهر إيمانه كخميرة في العجين، لا كأقلية تبحث عن ضمانات. شهادة قوامها المحبة المطلقة، والالتزام بالضعيف والمظلوم، كما علمتنا جماعة الأوائل.
فلا خلاص للمسيحيين خارج خلاص أوطانهم. والمعركة الحقيقية ليست معركة أعداد، بل معركة نوعية. لا يُقاس الانتماء بالعدد، بل بالإسهام الحضاري والأخلاقي. حيث تكون المواطنة هي الهوية الجامعة، يكون البقاء.
ثم رفض اختطاف الدين من قبل التطرف ليصبح أداة قتل، ورفض اختطاف الدين من قبل التغريب ليصبح مجرد طقس بلا حقيقة. فالإيمان بلا عقل يصبح تعصباً، والعقل بلا إيمان يصبح فراغاً.
في الختام، سيبقى الأردن قادراً على صد العاصفة، ليس لأنه يملك جيشاً قوياً فحسب، بل لأنه يملك فكرة أقوى من العاصفة: فكرة العيش المشترك.
والتاريخ، كما يذكرنا البابا بينيديكتوس راتزينغر، لا يصنعه الأقوياء الذين يصرخون، بل يصنعه الشهود الصامتون الذين يبقون أوفياء للحقيقة، حتى في عين العاصفة.




