أرض الصومال والنفوذ الإسرائيلي في الساحل الشرقي لأفريقيا | بقلم د. محمد حسب الرسول

في توقيت بالغ الحساسية، تشتعل فيه أوار الحرب الإسرائيلية-الأميركية على إيران، وتتقاطع فيه مصالح القوى الكبرى وتتصاعد حدة الصراع الدولي على أفريقيا وغرب آسيا، تتسارع خطوات التقارب بين “إسرائيل” وإقليم أرض الصومال الانفصالي.
يتجاوز هذا التقارب حدود الإعلانات السياسية الرمزية ليؤصل لعلاقات دبلوماسية وأمنية متنامية، لا يمكن قراءتها بمعزل عن المشروع التوسعي الإسرائيلي، ولا عن التنافس الدولي المحموم على ممرات البحر الأحمر، حيث تتحوّل هرجيسيا اليوم إلى ركيزة أساسية في استراتيجية إعادة رسم خرائط النفوذ الإقليمي.
من التمثيل الدبلوماسي إلى الحضور العسكري
لقد شهد النصف الأول من هذا العام قفزات غير مسبوقة في هذا المسار؛ فبعد أن أصبحت “إسرائيل” في 26 كانون الأول/ديسمبر 2025 أول دولة تعترف رسمياً باستقلال أرض الصومال، أعقبت ذلك بزيارة رسمية لوزير خارجيتها جدعون ساعر إلى هرجيسيا في كانون الثاني/يناير 2026.
ولم يكد يمر أسبوع حتى تُرجم هذا التقارب عملياً بتعهد “إسرائيل” بفتح سفارة لها هناك، وإعلان أرض الصومال افتتاح سفارتها في القدس، وصولاً إلى تعيين ميخائيل لوتيم في نيسان/أبريل 2026 أول سفير إسرائيلي لدى الإقليم. يكشف هذا المسار عن إرادة سياسية حثيثة لترسيخ واقع دبلوماسي جديد يصعب التراجع عنه.
هرجيسيا والبحث عن شرعية مفقودة
من منظور هرجيسيا، فإن هذا الاندفاع نحو المحور الإسرائيلي-الأميركي يمثل طوق نجاة لكسر عقود من العجز عن الحصول على اعتراف إقليمي أو دولي، وبعد هذا العجز الذي استمر ثلاثة عقود، وجدت سلطات أرض الصومال ضالتها في “تل أبيب”، وتسعى لتوظيف موقعها الجيوسياسي المطل على خليج عدن في فرصة ذهبية؛ حيث تقدم نفسها كشريك أمني مستقر وموثوق للقوى الغربية و”إسرائيل”، وتبدي استعداداً لتقديم تنازلات سيادية وميدانية مقابل الحصول على الشرعية الدولية المؤجلة.
البعد العسكري: من التحالف إلى القاعدة الأمامية
يُعد البعد الأمني والعسكري هو الأكثر خطورة في هذه المعادلة الجيوسياسية الحالية. إذ كشفت تقارير استخبارية نشرتها شبكة CNN مؤخراً عن إدراج أرض الصومال ضمن شبكة مواقع لوجستية إسرائيلية متقدمة لتكون بمنزلة نقطة إسناد عملياتي لطائراتها بعيدة المدى.
ويتكامل هذا التقرير مع ما كشفت عنه صحيفة Le Monde الفرنسية في تحقيقاتها الميدانية حول أعمال تطوير هندسية متسارعة تجري في مطار بربرة الاستراتيجي، شملت بناء منشآت دفاعية وجوية وقادرة على استيعاب مقاتلات حديثة. هذه التطورات الميدانية تعني بوضوح أن أرض الصومال قد تجاوزت مربع الحليف السياسي، لتتحوّل فعلياً إلى مسرح عملياتي متقدم للمواجهة المباشرة ضد إيران واليمن، كما هو الحال مع السودان.
الاعتراف مقابل السواحل
كعادتها، لا تبدي واشنطن تمسكاً بمبادئ القانون الدولي المتعلقة بسيادة الدول ووحدة أراضيها، لهذا ترسم ملامح شراكة أمنية وعسكرية مع أرض الصومال. وقد تجلى ذلك بوضوح في تقرير الخارجية الأميركية الصادر مطلع هذا العام، والذي صنف الإقليم كــ”شريك حيوي محتمل” في قضايا الأمن، وبخاصة باب المندب وأمن البحر الأحمر وخليج عدن ومكافحة “الإرهاب” .
يمثل هذا التوجه الأميركي امتداداً للزيارة التي قام بها وزير خارجية الإقليم إلى واشنطن في أيار/مايو 2025، حيث أبدى خلالها استعداد هرجيسيا الكامل لمنح واشنطن قاعدة عسكرية على سواحلها مقابل الاعتراف السياسي المستقبلي. وتعتمد واشنطن حالياً سياسة الاستفادة القصوى من الموقع الجيواستراتيجي للإقليم مع إبقاء ورقة الاعتراف السياسي والدبلوماسي الكامل معلقة كأداة ضغط توظف وقت الحاجة.
التهديدات الاستراتيجية الخمس
يكشف هذا الحضور الإسرائيلي المتنامي في أرض الصومال طبيعة السياسة الأميركية والإسرائيلية المشتركة، حيث تتقدم الهواجس الأمنية والمصالح الجيوسياسية على مبادئ القانون الدولي المستقرة. ويترتب على هذا الوجود خمسة مهددات استراتيجية:
أولاً، تحويل البحر الأحمر إلى منطقة نفوذ إسرائيلية: تحويل سواحل وأجواء أرض الصومال إلى منصة انطلاق عسكرية متقدمة لــــ”إسرائيل”، تستخدمها في تطبيق حصار بحري غير معلن على دول الجزيرة العربية، ولتحويل البحر الأحمر إلى “بحيرة نفوذ إسرائيلية” مغلقة، فضلاً عن توجيه ضربات لليمن وإيران، ما يهدد بتوسيع رقعة الحرب الإقليمية وشلّ حركة التجارة العالمية.
ثانياً، تفكيك دولة الصومال وإعادة إنتاج الفوضى: تعريض الدولة الصومالية لمخاطر التفكيك اللامتناهي؛ فالاعتراف بأرض الصومال يغذي النزعات الانفصالية لدى أقاليم صومالية أخرى، ويضعف السلطة الاتحادية في مقديشو، ويعيد إنتاج الفوضىى والصراعات الأهلية التي تهدد القرن الأفريقي بأسره.
ثالثاً، سابقة الاعتراف كنموذج للانفصاليين عالمياً: يمثل الاعتراف الإسرائيلي سابقة خطيرة؛ إذ إن منح الغطاء الدبلوماسي والأمني لكيان انفصالي قد يشجع حركات انفصالية أخرى في أفريقيا والشرق الأوسط على اتخاذ المسار ذاته وعقد صفقات أمنية مشبوهة مقابل الاعتراف، ما يهدد سلامة واستقرار الحدود الدولية الهشة.
رابعاً، تهديد الأمن القومي لدول الجوار: يمثل الوجود العسكري الإسرائيلي في خليج عدن وباب المندب تهديداً مباشراً للأمن القومي للدول المشاطئة للبحر الأحمر، وعلى رأسها السعودية واليمن والسودان ومصر، حيث تصبح خاصرتها الجنوبية تحت المراقبة والاستهداف الإسرائيلي المباشر.
خامساً، هندسة القرن الأفريقي: يندرج هذا التقارب ضمن خطة صهيو-أمريكية ممنهجة لتقويض النفوذ المتنامي لروسيا والصين في شرق أفريقيا، ودعم الطموحات التوسعية لأثيوبيا في الوصول إلى البحر الأحمر خصما على وحدة أراضي الصومال وإيرتريا، ما يساعد في رسم الخرائط الجيوسياسية بأكملها وقد فصل ذلك مقالنا السابق “واشنطن تعيد هندسة القرن الأفريقي وتهدد الأمن القومي العربي”.
الصومال: أوراق قوية في لعبة معقدة
تصف مقديشو التحركات الإسرائيلية الحالية بالتهديد الوجودي، غير أن رد فعلها الدبلوماسي لا يزال عاجزاً عن الارتقاء إلى مستوى المخاطر الراهنة. هذا الضعف ليس ناتجاً عن انعدام الخيارات، بل عن غياب الرؤية الاستراتيجية لتفعيل أوراق القوة التي تمتلكها الصومال، والتي تشمل:
أطول ساحل أفريقي: إذ تمتلك مقديشو ساحلاً طوله 3 آلاف كيلومتر على المحيط الهندي وخليج عدن، ما يمنحها مفتاح التحكم في أحد أهم ممرات الملاحة الدولية .
شريان التجارة العالمية: موقع الصومال كحلقة وصل أساسية في مبادرة”الحزام والطريق” الصينية، يمنحها وزناً جيواستراتيجياً في مواجهة الضغوط الغربية والصهيونية.
الثروات الطبيعية البكر: تتوفر الصومال على مخزون ضخم وغير مستغل من النفط والغاز والمعادن، يمثل أداة جذب استثماري واعدة للقوى الدولية الكبرى.
العمق الجغرافي والربط القاري: لمقديشو دور تاريخي ولوجيستي كبوابة لشرق أفريقيا.
شراكات وعلاقات إقليمية معتبرة: يرتبط الصومال بعلاقات وطيدة مع السعودية وقطر ومصر، وتربطه شراكة استراتيجية مع تركيا متعددة الأبعاد والأوجه.
الامتيازات الحصرية: بمقدور مقديشو حرمان الدول التي تدعم الانفصال من الامتيازات الاقتصادية والاستثمارية في السواحل والأراضي الصومالية، ويمكنها توظيفها في شراكات مع الدول الداعمة لوحدتها وسيادتها.
الكوابح البنيوية المانعة لحركة مقديشو
برغم قوة تلك الأوراق، فإن قراءة الواقع السياسي تقتضي الاعتراف بأن قدرة مقديشو على تفعيل هذه الأوراق الاستراتيجية تصطدم بكوابح داخلية بنيوية حادة؛ لعل أبرزها استنزاف موارد الدولة في المواجهة العسكرية المفتوحة مع حركة الشباب، والانقسامات السياسية العميقة بين الحكومة الاتحادية وبعض الولايات، والخلافات السياسية الداخلية بين الأطراف الوطنية والسلطة، فضلاً عن الارتهان الاقتصادي شبه الكامل للمساعدات والمنح الخارجية، هذه التحديات جعلت الأداء السياسي لمقديشو يبدو باهتاً ومكتفياً بالإدانات اللفظية، ما يفرض عليها حتمية إصلاح بيتها الداخلي كشرط أساسي لترجمة نقاط قوتها إلى نفوذ حقيقي على الأرض.
المواقف الدولية بين الإدانة والفعل
على النقيض من الموقف الأميركي، تشهد الساحة العربية والإسلامية والأفريقية ما يشبه الإجماع السياسي الرافض للخطوات الإسرائيلية تجاه أرض الصومال، وهو ما انعكس في البيانات التحذيرية الصادرة عن الجامعة العربية والاتحاد الأفريقي ومواقف عدد من الدول الصديقة لمقديشو.
لكن الانتقال من مربع الإدانة إلى الفعل الحقيقي لمواجهة هذا التقارب يتطلب تفعيل ثلاث آليات عملية:
- تعزيز الحضور السيادي الفعلي للدولة الصومالية في أقاليم وولايات الصومال، وبشكل خاص في الأقاليم ذات النزعة الانفصالية، وتفعيل الأدوات التنموية والاستثمارية والاجتماعية انطلاقاً من المسؤولية الدستورية والوطنية.
- إطلاق مبادرة دبلوماسية تستهدف القوى العظمى والكبرى المنافسة للمحور الأميركي لإقناعها بأن الحفاظ على أمن واستقرار خطوط الملاحة في البحر الأحمر ممره الإلزامي هو سيادة صومالية موحدة وقوية، وليس رعاية للكيانات الانفصالية الهشة.
- دفع المنظمات الإقليمية إلى تبني قرارات اقتصادية وسياسية ملزمة تحظر وتجرم التعامل مع أي كيان انفصالي غير معترف به دولياً.
نحو استراتيجية صومالية فاعلة
لم يعد ملف أرض الصومال مجرد نزاع داخلي يمكن احتواؤه بمرور الوقت، بل تحوّل رسمياً إلى بؤرة صراع دولي مفتوح يعاد فيه تشكيل التوازنات الأمنية والعسكرية في واحدة من أكثر مناطق العالم حساسية وحيوية.
إن نجاح مقديشو في حماية سيادتها ومصالحها يتطلب الانتقال العاجل من عقلية “رد الفعل اللفظي” والبيانات الدبلوماسية الجامدة، إلى تبني استراتيجية هجومية فاعلة تستثمر بذكاء التنافس الدولي المحتدم على شواطئها.
يتعين على الدولة الصومالية تحويل موقعها الفريد وثرواتها البكر إلى رافعة دبلوماسية واقتصادية قوية تعيد ترتيب أولويات القوى الكبرى في المنطقة على نحو جديد، وتفرض على الجميع حقيقة جيوسياسية واحدة: احترام سيادة ووحدة الصومال ركيزة الاستقرار والأمن في البحر الأحمر والقرن الأفريقي.




