الدول الملتصقة: التاريخ، الهشاشة، وتشريح التفكك | بقلم المهندس صلاح زغيب

في أحياء بيروت المتداعية، وفي أسواق حلب المدمّرة، وداخل وزارات بغداد المنقسمة، حقيقة صامتة تصدح أكثر من أي نشيد رسمي: هذه ليست دولًا فاشلة، بل دول ملتصقة . متماسكة باتفاقات حرب، ومصالح خارجية، وبقايا هندسة إمبريالية، باقية ليس لأنها تعمل، بل لأن لا أحد يجرؤ على تركها تنهار.
تستعرض هذه المقالة مفهوم “الدولة الملتصقة” من خلال عدسة تاريخية وتحليلية، مع التركيز على لبنان وسوريا والعراق — دول أصبحت شبيهات سيادة، تحمل أعلامًا وحدودًا لكنها تفتقر إلى التماسك الداخلي الذي يمنح الدولة معناها ما وراء الخريطة.
أولًا: الأصول الاستعمارية — حدود بلا روابط
لم تولد منطقة الشرق الأوسط الحديثة من تقاربات طبيعية، بل تم تصميمها.
• اتفاقية سايكس بيكو (1916) قسّمت ولايات الدولة العثمانية بين النفوذ البريطاني والفرنسي.
• مؤتمر سان ريمو (1920) منح فرنسا الانتداب على سوريا ولبنان، وبريطانيا على العراق وفلسطين.
الدول التي نشأت كانت مفصّلة بخيوط طائفية وإثنية وقبلية متضاربة تصاميم متعمّدة للتقسيم والتحكم. التوازن الطائفي في لبنان، والمثلث السني–الشيعي–الكردي في العراق، وتوزيع الطوائف في سوريا لم تكن عيوبًا تاريخية بل أدوات للهيمنة.
رحل الإداريون الاستعماريون، لكن منطقهم بقي. وكانت النتيجة جمهوريات ولدت بحدود ورثة لا مختارة، ومواطنة إدارية لا وطنية.
ثانيًا: الصفقات ما بعد الاستعمار — نُخب بدلًا من أمم
عندما حصلت هذه الدول على الاستقلال (العراق 1932، سوريا 1946، لبنان 1943)، لم يكن بيد الشعوب بل عبر صفقات بين النخب. وهذه النخب — غالبًا متعلمة في الغرب أو مدعومة عسكريًا — عقدت اتفاقات هشة للإبقاء على الموزاييك:
• لبنان: الميثاق الوطني (1943) كان مصافحة بين قادة مسلمين ومسيحيين، يقسم السلطة طائفيًا. لم ينتج وحدة بل تنازعًا دائمًا على الحصص.
• العراق: من الملكية الهاشمية إلى حكم البعث، تأرجحت الدولة بين هيمنة النخبة والقمع الوحشي دون معالجة التصدعات الطائفية والإثنية.
• سوريا: سلسلة انقلابات وتبدلات أيديولوجية (من الناصرية إلى البعث)، وانتهت بقبضة الأسد الحديدية دولة ملحومة بالخوف لا بالعقد الاجتماعي.
في كل منها، اختُزلت المواطنة إلى الولاء — للطائفة أو العشيرة أو الزعيم أو الميليشيا. وكان الصمغ السياسي يجف باكرًا.
ثالثًا: الحرب الباردة وما بعدها — سيادات بالوكالة
حولت الحرب الباردة هذه الدول الهشة إلى ساحات صراع بين القوى الكبرى:
سوريا أصبحت حليفًا للاتحاد السوفيتي، مسلحة حتى العظم لكنها خاوية من الداخل.
العراق راوغ بين الشرق والغرب حتى راهن صدام على أسطورته.
لبنان انهار إلى حرب أهلية (1975–1990)، وتحوّل إلى ساحة مفتوحة لكل الميليشيات الممولة خارجيًا.
اتفاق الطائف (1989) أنهى الحرب اللبنانية دون معالجة الجذور بل شرعن الانقسام فبرزت الاحزاب كجزء من منطق الدولة داخل الدولة.
وفي الأثناء، أعادت التدخلات الدولية والغزوات الإقليمية لصق هذه الدول معًا — ليس لترميمها، بل لمنع انهيارها. أصبحت السيادة مسرحًا. الوزارات تعمل، لكن الشرعية غائبة.
رابعًا: القرن الحادي والعشرون — من الأزمة إلى المزمنة
إن كان القرن العشرون هو قرن التفكك، فإن القرن الحادي والعشرين هو زمن التفكك المُدار:
– العراق (2003): غزو أميركي دمّر ما تبقى من التماسك وسقوط صدام كشف دولة خاوية ملأتها الطائفية والهيمنة من دول مجاورة والحكم الذاتي الكردي.
– سوريا (2011–الآن): الثورة تحوّلت إلى حرب أهلية بين سيادات متعددة. اليوم، يسيطر منطق مغاير للدولة على أجزاء، فيما تتقاسم البقية روسيا وإيران وتركيا وأميركا والأكراد.
– لبنان (2020s) : الانهيار المالي قضى على ما تبقى من الثقة العامة. الدولة بالكاد تحكم، بالكاد تخدم، وتبقى بدافع القصور الذاتي والتحويلات والذعر من البديل.
هذه الدول لا تُحكم. بل تُدار كأثرية هشة — محفوظة لا للاستخدام، بل للوهْم بالنظام.
خامسًا: تشريح الدولة الملتصقة
تتشارك الدول الملتصقة في عدة سمات:
• شرعية مجزّأة: المواطنون يعرّفون أنفسهم عبر الطائفة أو العشيرة أو الإقليم، لا الدولة.
• قوى موازية: ميليشيات أو مرجعيات دينية أو أجنبية تتقاسم دور الدولة أو تحل محلها.
• تبعية خارجية: الدولة تعتمد في تمويلها وبقائها على الدعم الخارجي.
• صفقات نخبوية فاسدة: الحكم صفقة بين النخب لا خدمة للمواطنين.
• مسؤولية مقلوبة: المواطن يخاف الدولة، والدولة تخشى النخب، ولا أحد يخشى الشعب.
كل هذا يعكس فصامًا مؤسسيًا: وزارات إلى جانب ميليشيات، انتخابات إلى جانب اغتيالات، دساتير مع حصانة من العقاب.
سادسًا: هل من مخرج؟ إعادة البناء من القاعدة
الأمل ممكن — لكن ليس عبر المسكنات:
• إصلاح تقني بلا تغيير سياسي هو تجميل للجثة.
• انتخابات دون مساءلة فعلية تعمّق الفجوة.
• التمويل الخارجي يكرّس الوضع القائم والتبعية.
الحل يبدأ من إعادة تخيّل السيادة من الأسفل:
• بناء شرعية محلية تسبق السلطة المركزية. يجب أن تُسمَع المجتمعات قبل أن تُطيع.
• اللامركزية الأخلاقية لا الإدارية فقط. تفويض حقيقي للسلطة.
• عقود اجتماعية جديدة تولد من حوارات شعبية لا من صالونات النخب.
• عدالة انتقالية تُعالج الماضي لا تمحوه.
• إعادة تعريف وظائف الدولة: من التحكم والإكراه إلى الدعم والحوكمة.
سابعًا: من الالتصاق إلى الجذور
لبنان وسوريا والعراق، مثال على دول كثيرة غيرها، ليسوا ضحايا القدر بل أسرى تصميم استعماري، سياسي، وجيوسياسي. الصمغ الذي يُبقِيهم سام: مكوّن من الخوف، والجمود، وتواطؤ النخب على مقاومة التغيير. الخلاص لا يحتاج فقط إصلاحًا إداريًا، بل تخيّلاً جديدًا للدولة، دولة لا يُخشى منها ولا تُؤلَّه، بل تُحترم. لا تلتصق بالغصب، بل تنمو من الجذور.
حتى ذلك الحين، ستبقى هذه الدول لا فاشلة، لا كاملة، بل فقط ملتصقة.
والمثل اللبناني يقول
“كثرة الضرب تفك اللحام” و في الآونة الأخيرة كثر الضرب فهل يفك اللحام؟




