حين تخرج المواقف عن الأعراف: قراءة في استثناء الإمارات من الإدانة السودانية | بقلم عثمان عبدالرحمن سليمان

جاء بيان وزارة الخارجية السودانية، الذي أدان الهجوم الإيراني على عدد من دول الخليج العربي، مخيبًا للآمال بسبب عدم تضمينه لدولة الإمارات العربية المتحدة ضمن قائمة الدول التي شملتها الإدانة. في وقتٍ كانت فيه المنطقة في أمس الحاجة إلى موقف سوداني واضح ومتوازن يتماشى مع مبادئ التضامن العربي واحترام سيادة الدول، بدا البيان منقوصًا ومثيرًا للتساؤلات، خاصة وأن الهجوم استهدف دولًا شقيقة في مجلس التعاون الخليجي دون استثناء. إن هذا الإغفال لا يمكن اعتباره مجرد سهوٍ بروتوكولي، بل يحمل دلالات سياسية تستدعي الوقوف عندها بجدية ومسؤولية.
إن الأعراف الدبلوماسية المستقرة تقوم على الوضوح والاتساق وعدم الانتقائية في المواقف، لا سيما في القضايا المتعلقة بالاعتداءات الخارجية وانتهاك سيادة الدول. واستثناء دولة بعينها من بيان إدانة جماعي يخرج عن الأطر الدبلوماسية المتعارف عليها، ويبعث برسائل سلبية قد تُفهم على أنها تمييز أو تصفية حسابات سياسية. فالدبلوماسية ليست ساحة لتسجيل النقاط، بل هي أداة لحفظ المصالح الوطنية وصون العلاقات الخارجية على أسس الاحترام المتبادل.
مهما بلغ حجم الخلاف بين السودان والإمارات، فإن ذلك لا يبرر الحياد أو التجاهل في قضايا تمس الأمن الإقليمي واستقرار المنطقة. فالعلاقات بين الدول تُدار بالحكمة والواقعية السياسية، وليس بردود الأفعال أو المواقف الرمزية التي قد تضر بصورة السودان في محيطه العربي. إن الفصل بين الخلافات الثنائية والمواقف المبدئية تجاه الاعتداءات الخارجية هو من صميم العمل الدبلوماسي الرشيد، وهو ما كان ينبغي أن ينعكس في بيان الخارجية.
إن السودان، بتاريخ علاقاته العربية والإفريقية، أحوج ما يكون اليوم إلى خطاب دبلوماسي متزن يعيد إليه مكانته ويعزز حضوره في القضايا الإقليمية الكبرى. ومن هنا، فإن مراجعة مثل هذه المواقف تصبح ضرورة وطنية، حفاظًا على سمعة الدولة واحترامها لالتزاماتها السياسية والأخلاقية. فالمواقف الواضحة والعادلة هي التي تبني الجسور، أما الانتقائية فإنها تضعف الثقة وتربك الرسائل في لحظات تتطلب أعلى درجات الاتساق والمسؤولية.


