الاحدثالشرق الاوسط
قهوة الدول العربية | بقلم علي أمين

تبلورت فكرة الوحدة العربية خلال العصر الحديث منذ ظهور الفكر القومي وانتشار أفكاره في أواسط النخب العربية و التي بدأت منذ تفكك وسقوط الخلافة العثمانية فبدأت الأصوات تتعالى و تدعو إلى قيام وحدة عربية استند خلالها المطالبون بذلك من خلال رؤية الإمكانات الاقتصادية والطاقات البشرية الهائلة للدول العربية كما أن تعاظم أخطار الاستعمار والصهيونية التي بدأت تكشّر عن أنيابها مع وعد بلفور المشؤوم والذي أعطى من لا يملك بريطانيا أرض فلسطين لمن لا يستحقها من الإسرائيليين ۔
ورغم الدعوة التي تم إطلاقها بإنشاء دولة عربية واحدة مع البدايات الأولى للثورة العربية الكبرى إلا أن هذا الحلم اندثر مع ظهور الكيانات العربية المفككة كجزء من الاستراتيجية الاستعمارية بعد أن تم تقاسم الأراضي العربية بين بريطانيا وفرنسا ودعم النخب في تلك الدول الناشئة وزرع الشقاق بين تلك الدول وأنظمتها عبر سياسات فرق تسد وجعل الحدود فتيل لإشعال الصراع بين الحين والآخر، والذي تعاني منه الدول العربية إلى يومنا هذا. ومع انطلاق الغرب نحو إقامة التنظيم الدولي، انطلق العرب في محاولة لانتهاز الفرصه لإنشاء كيان عربي يضمهم وتحت شعار “اجمع واحكم” وبمباركة وتأييد الحكومة البريطانية التي كانت تدير الشرق الأوسط من الهند أو مصر، قاد رئيس وزراء مصر المبادرة وقام بتوجيه الدعوة للدول العربية لإجراء مشاورات بخصوص الكيان الجامع، فما كان من حكومات الدول العربية إلا أن أرسلت ممثلين عنها تحت غطاء مشاورات الوحدة العربية والتي أقيمت في الإسكندرية خلال شهر أكتوبر 1944م، حيث تم التوقيع من قبل ست دول مصر والعراق وسوريا واليمن ولبنان والمملكة العربية السعودية، ومملكة شرق الأردن وتم تكليف لجنة خاصة بوضع ميثاق الجامعة وتم الانتهاء منه وإنجازه في مارس 1945م، حيث شكّل الحدث نقطة تحوّل في الشارع العربي التوّاق لإنجاح هذا المشروع الجامع لهم بعد سنوات من الفرقة والشتات وضياع الهوية التي أحسوا بها مع رزحهم تحت حكم الخلافة، أو مع تفرقهم تحت هيمنة القوى الاستعمارية ورغم مساهمة أفكار المبتعثين الذين ذهبوا إلى الدول الأوروبية في زرع الأفكار الوطنية والقومية والذي ساهم في زيادة التنمية السياسية للشعوب العربية فظهر العديد من المفكرون كالطهطاوي والتونسي الذين كان لهم الأثر في صقل هذه الأفكار وانتشارها إضافة إلى انتشار الأفكار الشيوعية التحررية.
لكن وفي المقابل كانت الجامعة كيان تم إنشائه لإضافة الشرعية للأنظمة العربية التي انسلخت عن بدن الخلافة، ووجدت بريطانيا فيها شكل لتنظيم تستطيع احتواء دولة فيه، و مخاطبة تلك الأنظمة والضغط عليها وعلى نخبها الضعيفة والواهنة للقبول بالتواجد الإسرائيلي، داخل حدودها والتعايش معه إلا أن ظهرت الحركات الثورية في مصر التي قادها حزب الوفد سواء بقيادة سعد زغلول أو أحمد عرابي في هز الحضور البريطاني في مصر ، وكذلك ثورة رشيد علي الكيلاني في العراق كل هذه الإرهاصات كانت إشارات للمد الثوري والاستقلالي ضد التواجد البريطاني في المنطقة مما جعلها تساهم في الدفع لإنشاء الجامعة، والعمل تحت سمعها وإشرافها كنوع من تخفيف الضغط الثوري عليها وخوفا من محاولة العودة لبناء كيان عربي واحد، مكتسحاً الخطوط والتقسيمات التي تم وضعها من قبل سايكس وبيكو، والذي سيضر بتواجد وأمن إسرائيل كدولة معترف بها إضافة إلى استمرار حالة التشرذم والتفكك العربي، عبر بقاء دولة كانتونات مقسمه وهذا ما تم إثباته مع أول تجربة واجهت الجامعة مع إعلان قيام دولة إسرائيل وفشل محاولات منع ذلك عسكرياً، رغم تنادي الدول العربية للقتال وفشلها في تحقيق النجاح مع التفوّق الواضح للجيش الاسرائيلي المدعوم من دول الغرب، فكان لهذا الموقف الأثر البالغ في نجاح المد الثوري بقيادة عبدالناصر والذي مكنه من قيادة الثورة والوصول الى السلطة والذي جعل للموقف العربي، بعض القوة إلا أن محاولة تصدير الثورات أدت إلى حدوث الاختبار العربي الثاني خلال حرب اليمن والذي قسّم الصف العربي مع اشتعال المواقف بين الزعيمين الملك فيصل والرئيس عبدالناصر. ولم يحل ذلك الخلاف إلا بعد حدوث نكسة حزيران عام ١٩٦٧م، وانعقاد مؤتمر الخرطوم والذي اشتهر بمؤتمر اللاءات الثلاث والذي خفف الاحتقان العربي ورمم العلاقات بين القيادتين، ووحدهم للنظر للعدو الأساسي إسرائيل وهذا ما قام به العرب خلال حرب التحرير في أكتوبر ١٩٧٣م حيث توحّدوا لردع إسرائيل. وكان لسلاح البترول الأثر في ذلك ورغم هذا الانتصار إلا أن خروج مصر من خندق المقاومة والذهاب باتجاه فندق المهادنة ، والتطبيع وجّه ضربة قاضية للوحدة العربية حيث تم نقل مقر الجامعة إلى تونس وتعليق عضوية مصر لكن سنوات الثمانينات، شهدت انقسام آخر مع اشتعال الحرب الإيرانية لكن هذا الانقسام تحوّل إلى ما يشبه الموت السريري للجامعة العربية. فرغم الوحدة اليمنية إلا أن غزو الكويت من قبل القوات العراقية جعل المواقف العربية في حالة تفكك خصوصاً مع استمرار الاحتلال الاسرائيلي للجولان السورية والأراضي الفلسطينية ومع تدخل القوات الأمريكية والغربية لتحرير الكويت، زادت المواقف العربية انقساماً وتفككا مع الحصار الذي تم فرضه على العراق وجعل الأردن، تدخل إلى جانب مصر في علاقة مباشرة مع إسرائيل والاعتراف بها. وفي الجانب الآخر استمر الحصار على العراق حتى تم إسقاط نظام الحكم فيه بدعم من قبل بعض الدول العربية وغزوه من قبل جيوش الولايات المتحدة الأمريكية، رغم حالة المصالحة التي تمت خلال قمة بيروت والتي تمت بين المملكة العربية السعودية والعراق، بقيادة الملك عبدالله ونائب رئيس جمهورية العراق عزة ابراهيم وخلال تلك القمة قدمت الدول العربية المبادرة التاريخية للسلام مع إسرائيل إلا أن حالة الضعف والفكك العربي جعلت اسرائيل ترفض ذلك من منطلق القوة والهيمنة.
واستمرت مواقف الضعف العربي رغم اندلاع الانتفاضات الفلسطينية وتوجهها لخيار السلاح. وكان لحرب لبنان الأثر البالغ للمقاومة التي استطاعت تحرير الجنوب من قبضة الاحتلال الصهيوني، باستخدام القوة ومع اشتعال ثورات الربيع العربي ظلت حالة الجمود للجامعة ومواقفها الرسمية في الهبوط إلا من تعليق عضوية سوريا في الجامعة العربية واكتفت طيلة المواقف بإطلاق تصريحات واهية تخلو من الحزم والقوة ضد كافة الأطراف التي شرعت في الاقتتال في دول الربيع العربي سواء في ليبيا أو سوريا أو اليمن واخيرا في السودان ومنه يجب :
1/إنشاء قوة عربية مشتركة ذات قيادة عربية مستقلة تتبع الأمانة العامة للجامعة العربية تتدخل عند لزوم الأمر كالضغط على الأنظمة أو منع الحروب الأهلية وإقرار السلام داخل الدول العربية .
2/إنشاء قناة تلفزيونية تعمل للجامعة العربية.
3/انتخاب أعضاء الجامعة العربية من الأكاديميين والعلماء العرب عبر الأكاديميين والعلماء العرب داخل دولهم بحيث يكون لها كيانها الخاص بعيداً عن الضغوطات والإملاءات للقيادات العربية وعدم قبول وتعيين أي وزير خارجية كأمين عام للجامعة ودولته تقيم علاقات مع إسرائيل فهذا يخالف الإجماع العربي ويعطي سلاماً مع إسرائيل التي رفضت السلام والمبادرات العربية.
4/بدء منح الجنسية والجواز العربي الموحد لكبار قيادات و رجال الدول العربية إضافة إلى الشخصيات البارزة من العلماء والأكاديميين والأدباء والفنانين.
5/إنشاء هيئة للنزاهة والشفافية العربية لضبط الفساد المالي وعمليات النهب للأموال العربية من قبل نخبها.
كل هذا يتطلب مضاعفة الجهود لإنجاح الموقف العربي ومن خلال ذلك يتضح ضرورة أن تكون الجامعة كيان مستقل وحاكم مستقل اقتصادياً من خلال بعض المشاريع الاستثمارية، وإعطاء كل ذي دخل على مستوى شعوب الدول العربية مبلغاً من المال لإنجاح ذلك كاشتراك شهري، حتى إذا وصل الأمر إلى توفير جزء من ثمن كوب قهوة يتم شربه والذي سيؤدي إلى الاستقلالية التامة للجامعة العربية، ويقوّي كياناتها ويعزز الصحوة للنخوة العربية التي تهاوت مع مواقف الضعف، التي تعاني منه والذي اتضح مع عدم جدوى سياسات الشجب والتنديد أمام ما يحدث في داخل بعض الدول العربية، من نزاعات وهذا ما جعلها أشبه بقهوة يلتقي فيها الأدباء والمثقفين لمناقشة بعض القضايا، فيحتسون بعض مشاريبها وينصرفوا دون أن يصل صدى صوتهم إلى من تهمهم القضية، أو يشكل أهمية سوى راحة ضمائرهم أن ما قامت به إسرائيل من قصف وحشي وهمجي طال قطاع غزة ودمرها بعد أن أذل رجال المقاومة الفلسطينية، وحطموا أسطورة الجيش الذي لا يقهر والذي شكل سبب التدمير للقطاع وقتل ما يقارب مائة ألف فلسطيني، بينهم أكثر من عشرين ألف طفل وكان الأولى ورغم ذلك كان ولا يزال موقف الجامعة العربية هادئاً. ويفترض أن تضغط على دول السلام وعلى رأسها مصر التي تقيم علاقات مع إسرائيل، وكذلك الأردن والإمارات والبحرين اللذين لحقوا بقطار التطبيع والسلام الانفرادي والذي شكّل أيضا تباعداً للمواقف العربية واغتراب مواقف المقاومة والممانعة لذا يجب إدخال التعديلات الجادة على ميثاق الجامعة العربية بل وتحديثها حتى تجد ذاتها العربية والقومية.




